أواصل الحديث عن إنجازات المرأة المسلمة في النهضة العلمية، وتأسيس العلوم الإسلامية، فكانت العالمات المسلمات يعقدن مجالس العلم في الحرم المكي، وفي كبريات المساجد الإسلامية، ويحضُر لها الطلاب من الأقطار المختلفة، وعُرف عن بعض الفقيهات والمحدِّثات المسلمات أنَّهن أكثَرْنَ من الرحلة في طلب العلم إلى عدد من المراكز العلمية في مصر والشام والحجاز، حتَّى صِرْنَ راسخاتِ القَدَم في العلم والرواية، والفقه، وكان لبعضهن مؤلفات وإسهامات في الإبداع الأدبي، منهنّ:

• أم الدرداء الصغرى: (ت:80هـ/700م) واعتبرها بعض معاصريها خبيرة في علوم الحديث، وفاقت شهرتها شهرة علماء كبار أمثال الحسن البصري وابن سيرين!، ومن بين طلبتها يوجد الشهير والمعروف أبو بكر ابن حزم، قاضي المدينة الذي تلقى الأمر في عهد الخليفة عمر بن العزيز بالجمع الرسمي للحديث. وعرفت أيضًا بمعارفها العميقة في الشريعة وآرائها الاجتهادية في الفتوى، واعتادت مناقشة مسائلها داخل مسجد دمشق. وكانت أم الدرداء تُدرِّس الحديث والفقه في المساجد للرجال والنساء أيضًا. مما يدل على مكانتها العلمية التي أحرزتها على عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي كان يأتي شخصيًا ليحضر مجالسها العلمية العامة.

• شهدة بنت الإبري (توفيت عام 574هـ) عالمة كبيرة في الحديث بنت المحدِّث أبي نصر أحمد بن الفرج الدينوري، درّست علماء كباراً كابن الجوزية وابن قدامة المقدسي. حدّث عنها: علماء كُثر، منهم ابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي.

• أم حبيبة الأصفهانية التي يذكر المنذري أنّها أجازته.

• أم العرَب فاطمة بنت أبي القاسم من شيخات الإمام ابن تيمية، ومن شيخاته أيضًا أمُّ عساكر، روَى عنها الحديث، وأمُّ أحمد، زينب بنت مكي بن علي بن كامِل الحرَّانية، كان يزدحم الطلبةُ عليها؛ لعلمها وصلاحها، روت المسند كله، روَى عنها الحديث، وأمُّ محمَّد زينب بنت أحمد بن عمر بن كامل، تفرَّدتْ وارْتحل إليها الطلبة، حدّثت بمصر والمدينة المنورة، روَى عنها الحديث.

• من شيخات ابن القيم: ست الكتبة نعمة علي الطراح البغدادي، وكريمة عبدالوهاب القرشية، وأم عبدالكريم فاطمة سعد الأنصاري، وخديجة أحمد محمد الأصبهاني، فرحة قراطاش العوني.

• زينب بنت أحمد (740هـ/1339م)، درس ابن خلدون عنها وعن غيرها من النساء العالمات عند مروره بدمشق.

• فاطمة بنت محمد بن أحمد السمرقندي، كانت تحتل مكانة عالية رفيعة في الفقه والفتوى، وتصدرت للتدريس وألَّفت عددًا من الكتب، وكان الملك العادل»نور الدين محمود»، يستشيرها في بعض أمور الدولة الداخلية، ويسألها في بعض المسائل الفقهية، أمّا زوجها الفقيه الكبير»الكاساني» صاحب كتاب «البدائع» فكانت تردُّه إلى الصواب، وتعرِّفه وجه الخطأ فيرجع إلى قولِها، وكانت تُفْتِي ويَحْترم زوجها فتواها، وكانت الفتوى تَخرج بتوقيعها وتوقيع أبيها وزوجها، فلما مات أبوها كانت توقع على الفتوى هي وزوجها «الكاساني» لرسوخها في العلم وفقهها الواسع.

• هاجر بنت محمد درّست المفسر الكبير جلال الدين السيوطي رسالة الإمام الشافعي، وقد كان لشيخاته دور بارز في تكوينه العلمي، فأخذ عن «أم هانئ بنت الهوريني» التي لقّبها بالمسند، وكانت عالمة بالنحو، وأورد لها ترجمة في كتابه «بغية الوعاة في أخبار النحاة»، وأخذ عن غيرهما كثير من النساء.

• زينب بنت عبد الرحمن أجازت المؤرخ الدمشقي الشهير ابن عساكر في الموطأ لمالك، كما درس عند ثمانين امرأة.

• فاطمة الفضيلية بمكة حيث أسست مكتبة كبيرة وكانت تقوم بتدريس العلماء في مكة المكرمة، وكانوا يحضرون لدروسها، وحصلوا على إجازات علمية منها.

أما إسهاماتها في العلوم العلمية: فقد سبق وبيّنتُ بعض إسهاماتها، في علوم الفلك والفضاء (مريم الجيلية الاسطرلبية 944- 967م) والطب والتمريض (رُفيدة الأسلمية)، وفي الرياضيات، منهن: لبنى القرطبية (ت:374هـ/984م): نحوية وشاعرة وقد عدها السيوطي في طبقات اللغويين والنحاة، وكانت أيضًا عالمة رياضيات ومدونة الخليفة الحكم المستنصر بالله، وكان يثق فيها كثيرًا حتى أسند لها التوقيع عنه، وكانت تكتب الخط الجيد، وكان المدونون في ذاك الوقت عملهم الرئيسي تدوين الكتب وترجمتها، لكنّها كانت من العلماء الذين لم يكتفوا بالتدوين، بل كانوا يضيفون أفكارهم وحلولهم للمعادلات الرياضية، ويُعدِّلون الأخطاء التي يجدونها في الكتب. وكانت تجد حلولًا لأصعب العمليات الرياضية. ولها الفضل في إنشاء المكتبة الشهيرة في مدينة الزهراء. وقد عينها الخليفة مديرة أمور المكتبة الملكية (وكانت المكتبة في ذلك الوقت تضم أعداداً هائلة من الكتب فوق الـ500 ألف، ومن أهم المكتبات في العالم بذاك الوقت)

وهكذا نجد نساء مسلمات مكيات ومدنيات ويمنيات ومصريات ودمشقيات وبغداديات وفارسيات ومغربيات وأندلسيات أسهمن في الحضارة الإسلامية والحركة العلمية جنبًا إلى جنب مع أشقائهن الرجال، فكنَّ يتعلمن منهم، ويُعلِّمْنَهم على مدى ألف عام، ثمّ أخذ دورهن ينحسر تدريجيًا حتى بلغ مبلغه في عصرنا هذا، ورافق هذا الانحسار التعتيم على هذا الدور المشرق من تاريخ المرأة المسلمة حتى من قِبل معدي مناهج التاريخ ليستقر في الأذهان أنّ المرأة خُلقت لخدمة الرجل ومتعته، وليس من حقها أن تتعلم وتعمل، إلّا بإذنه الذي يُحدد لها ما تتعلمه، وما تعمله.