نوه عدد من الفنانين والفنانات بالمعرض الفني الافتراضي «فن العزلة»، الذي انطلق بدعم من وزارة الثقافة مقدمًا تجربة فنية فريدة تحدث للمرة الأولى في المملكة، عبر المنصة الإلكترونية https://ozla.art ، التي تمنح زائر المعرض فرصة التجول بين أروقته وصالاته من جهازه الإلكتروني في منزله، وكأنه يتجول داخله على أرض الواقع الحقيقي، وذلك باستخدام تقنيات افتراضية متطورة. ويشارك في المعرض نخبة من نجوم الفن التشكيلي السعودي إلى جانب هواة ومواهب شابة من الجنسين، بمجموع أعمال يصل إلى 200 لوحة تشكيلية، مضيفين أن المعرض يجذب المواهب ويستثمر فترة الحجر المنزلي التي فرضتها جائحة فيروس كورونا المستجد.

إبراز أهمية الفن

وأكد مدير جمعية الثقافة والفنون بالدمام يوسف الحربي بأن دعم وزارة الثقافة لهذا المعرض النوعي «فن العزلة» ليس مستغربًا كون الوزارة أخذت على عاتقها منذ انطلاقتها تطوير الحس الاجتماعي والإنساني المرتكز على إبراز أهمية الفن، وإيمانًا منها بقدرة الفنان على توصيل الرسائل الإيجابية والابتكار والبحث عن آليات جمالية تعبيرية تتلاءم والمرحلة، وتعالج سلبياتها وتطرح أفكارًا جديدة لمعالجتها، لتثبت أن الفنان رغم الحواجز قادر على نشر الوعي وتدعيم الحواس والأفكار معًا «ليكون لأعماله ومبادراته وأفكاره هدفها الإنساني الذي لا يعني منجزًا فرديًا، بل مشاركة حسية بصرية ذهنية جمالية تتكاثف وتتراءى وتدعم وتنتشر، لأن الدور الحقيقي للفنان والمؤسسات الفنية يظهر في الوقت المطلوب كضرورة وحاجة وليس كتكملة وإضافة».

ووصف الحربي المرحلة التي يعيشها المجتمع بأنها تعتبر من المراحل الدقيقة والحساسة التي تركت أثرًا واضحًا على الإنسان بشكل عام وعلى الفنان بشكل خاص، واستحقت أن يطلق عليها مرحلة العزلة. وقال: «رغم أن هذه المرحلة بكل ما فيها من تداعيات نفسية وحسية وفكرية وبصرية، إلا أن الفنان بحاجة لمثل هذه العزلة، والتي قد يختارها طواعية لينجز فنًا يعبر عن الانطلاق، وهو يعلم مسبقًا أنه قادر في أية لحظة أن يطلق العنان لخياله ويسرح متى شاء في طبيعة الأشياء، لكن هذه العزلة أعتقد أنها جديدة ولها جوانبها من التغيير ولها ركائزها الحسية التي استطاعت أن تفتح منافذ جديدة على الذاكرة، وخيال التذكر وفكرة البقاء وتناقضاتها الحسية، وأعتقد أننا استفدنا بشكل كبير في تركيز وتثبيت الأدوار الأساسية للفنان الإنسان.

عصر ذهبي للثقافة

وأثنت الفنانة التشكيلية فاطمة النمر التي تشارك في المعرض، على الفكرة الفريدة التي تأتي لتواكب الرؤية الطموحة للمملكة والمهتمة بإبراز ما يتمتع به أبناؤها من قدرات منقطعة النظير في كافة المجالات. وقالت: «نحن نعيش في عصر ثقافي ذهبي بفضل جهود وزارة الثقافة التي تطلق وتدعم العديد من المبادرات المختلفة، ومنها المبادرات الأخيرة للتغلب على الأوضاع الراهنة التي يعيشها الجميع بسبب العزل الوقائي، وهو ما جعل الفنانين أيضًا يبادرون للمشاركة في العديد من المحافل والمعارض بمختلف أشكالها، ومنها هذا المعرض الذي يعد فكرة جديدة تساهم في الوصول للمتلقي في كل مكان سواء داخل أو خارج المملكة من خلال المنصة الافتراضية الإلكترونية».

وعن هذه الفترة وأثرها على إنتاج الفنانين التشكيليين قالت: «بالتأكيد ساهمت هذه الفترة التي يعيشها العالم بسبب الأوضاع الصحية في حصول الفنانين على وقت أكبر للتفرغ لإنجاز أعمالهم، إضافة لفسحة من التأمل لإعادة ترتيب بعض الأفكار والأولويات، حيث كنا في الفترة الماضية أي ما قبل جائحة كورونا نشكو من ضيق الوقت وزحمة المشاغل والالتزامات، فيما نمتلك الآن وقتًا طويلًا يتيح لنا التفكر والتأمل، إضافة للتدريب والتطوير».

استكشاف الذات

وقالت النمر إنها تشارك بمعرض «فن العزلة» بمجموعة من اللوحات التي تتناول فيها تراث المنطقة الشرقية، كما تعبر من خلال مجموعة من الأعمال عن الحالة التي يعيشها الفنان في العزلة، مؤكدة أن كل فنان يحتاج لعزلة يختلي فيها بفنه. وأضافت: «اكتشفت خلال هذه الفترة أشياء كثيرة لم أكن أعرفها عن نفسي، وهو ما ساهم في تنمية ذاتي، لذلك من المؤكد بأن هناك فوائد كثيرة استفدنا منها خلال هذا الظرف الاستثنائي، منها اكتشاف الذات والتصالح مع النفس واكتشاف مواهب لم نكن نعرفها عن أنفسنا، فالإنسان قادر على التكيف مع مثل هذه المرحلة الشبيهة بالزمن المتوقف، خصوصًا أن فكر وطموح الإنسان لا يتوقف، بل هناك استمرارية في التعلم والاجتهاد للتغلب على مثل هذه الظروف».

جذب المواهب

أما الفنانة التشكيلية عواطف ال صفوان فتشارك في المعرض من خلال ركن «عزلة الاحتراف» بعمل حمل عنوان «جزء من التراث»، ووصفت المعرض بالفكرة الجميلة جدًا، حيث استطاع أن يجمع المواهب الشابة مع محترفي الرسم، «وهذا بحد ذاته يساهم في تشجيع المبتدئين والهواة على التركيز في كيفية تطوير موهبتهم». وأضافت: «المعرض من المبادرات الرائعة، لكونها التي تشجع على مواصلة العمل وعدم الركون للراحة التي من شأنها أن تضعف الموهبة، فالكل يعرف بأن الرسام بحاجة للتعامل مع الريشة بشكل مستمر، شأنه شأن باقي الفنون والرياضات التي تحتاج للتدريب المستمر للوصول للمستوى المطلوب».

وأوضحت آل صفوان بأن مشاركتها في المعرض جاءت بلوحة جديدة لم تعرض من قبل، ورسمت بطريقة «فن الباتيك» وهو من الفنون المشهورة في بلدان آسيوية كإندونيسيا والهند والصين واليابان، ويتم تنفيذه بطريقة تغطية القماش المراد طباعته بطبقة من الشمع الساخن، وبعد جفافه يفرغ الشمع بالرسومات المطلوبة. وتصبغ الفراغات بالألوان، وتتناول في عملها بعض تفاصيل تراث المملكة.

رسالة انسانية

من جانبه أعرب الفنان التشكيلي عبدالعظيم الضامن بأن المملكة تعيش فترة ازدهار حقيقي لفن العزلة، والذي ساهم في استثمار أغلب الفنانين لوقتهم في تقديم رسالة إنسانية من خلال العزلة التي يعيشونها، مشيرًا إلى أن مثل هذه المعارض والمناشط تعطي مساحة جميلة لتكون الحياة طبيعية كما كانت في السابق قبل فترة الحجر الوقائي. مشيدًا بفكرة معرض «فن العزلة» الذي حظي بدعم من وزارة الثقافة «والتي لا تتأخر عن تقديم الدعم لأي فكرة ثقافية خلاقة من شأنها إثراء الساحة التشكيلية والثقافية بشكل عام».