Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

كيف صادرت الجمهوريات فلسفة كانط؟

A A
في كتابه (إيمانويل كانط.. فيلسوف عصر التنوير ومؤسس العقل الأوروبي) يذكر (مجدي كامل) أن كانط قدَّم ثلاثة شروط متكاملة لا يمكن تحقيق السلم الدائم دونها، وأهمها «أن يكون الدستور المدني لكل دولة دستورًا جمهوريًّا»، مشترطًا فيه أن يكفل حرية أعضاء المجتمع، ويخضعهم جميعًا للقانون نفسه، ويساوي بينهم.. ينطلق كانط في فلسفته هذه من كون الدستور الجمهوري «يمتاز بكونه يتيح لنا الأمل في السلام الدائم؛ باعتباره أفضل ما يمكن أن يعبر عن فكرة الحق»، ويسعى كانط في انحيازه للدستور الجمهوري للوصول لحالة شاملة من الاستقرار والسلم ونزع فتيل الحروب؛ فهو يرى أن الدستور الجمهوري «يسمح لكل مواطن في إبداء رأيه في قضايا الحرب والسلم»؛ حيث يرى أن اتخاذ المواطن قرار الحرب «يعني أن يخوض المعركة بنفسه وأن يتكبد تكاليفها المالية، وأن يتحمل عواقب ما تُلحقه من تدمير في الأرواح والأنفس والأملاك».. وعلى العكس من ذلك يرى أن المَلَكيات والأنظمة غير الجمهورية يتخذ فيها الملك قرار الحرب لأتفه الأسباب، والحرب عنده هي من أبسط الأمور.. فلسفة كانط هذه وتحليلاته انطلقت من مسلمات وأصول صحيحة يقوم عليها الدستور الجمهوري؛ إذ يغدو المواطن هو المنطلَق لأي قرار تتخذه الحكومة نتيجة ما تراه الأغلبية التي يشكل المواطن عناصرها، غير أن واقع الجمهوريات جميعها بما فيها (جمهوريات الغرب) العلمانية المتحضرة يشي بخلاف ما تقتضيه الأصول والمسلَّمات التي تقوم عليها دساتيرها.

ليس بعيدًا عنا ما قامت به أمريكا حينما قررت غزو العراق سنة (٢٠٠٣م) بحجة وجود أسلحة دمار شامل، وهي الحجة التي ثبت أخيرًا بطلانها باعتراف وزير الخارجية الأمريكي آنذاك (كولن باول) الذي قال بأن تبرير الحرب على العراق (نقطة سوداء) في حياته، وليس بعيدًا عنه رئيس الوزراء البريطاني المجايل لباول (توني بلير) الذي اعترف بأن أمريكا ورَّطته في الحرب على العراق. السؤال ليس عن مبررات الحرب ونتائجها، وإنما عن (رأي المواطن) الأمريكي في تلك الحرب، وهو الرأي الذي أكد عليه كانط، وأكد على أن الدستور الجمهوري يحترم هذا الرأي، وأن الحرب لا تُتَّخذ (في الجمهوريات) إلا بموافقته. الواقع أن الحكومة الأمريكية في عهد رئيسها (بوش الابن) اتخذت قرارها بعد أن ضلَّلت المواطن الأمريكي بما أظهرته الاستخبارات الأمريكية من امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وهذا التضليل جاء بعد هجمات (سبتمبر)، ومع هذا لم تكن الفوارق بين المؤيدِين للحرب والمعارضِين كبيرة، بل إن التأييد للحرب انخفض -بحسب ويكيبيديا- إلى (٤٧٪) بعد رفض مجلس الأمن قرارًا يمهد الطريق للعمل العسكري، وكان معظم المواطنين الأمريكيين يطالبون بالتحري في ما أظهرته الاستخبارات الأمريكية، وخرجت مظاهرات في الشارع الأمريكي تعارض الحرب، ومع ذلك لم يُلتفت لها ولا لغيرها. وعلى هذا، فلو أن كانط بيننا اليوم لربما تراجع عن فلسفته، لا لخللٍ في شقها المتعلق بالدستور الجمهوري؛ وإنما لأنها أصبحت بمثابة الجسر لبلوغ الغايات، فتلك الجمهوريات لم تعد تُقيم لرأي مواطنيها كبير اهتمام في قراراتها، اللهم إلا في الانتخابات التي بدورها لا تسلم من التحيزات والمراهنات التي تجعل مرشحًا يتخطى خصمه بفارق بسيط، لكنه لا يصل نسبة (٩٩٪) ذات الماركة العربية المسجلة.

ولو ألقينا نظرة على الصراعات الدائرة اليوم في العالم لوجدنا الدول -شرقًا وغربًا، عربية وأعجمية- ذات الدستور الجمهوري تقف وراءها، وليست الحكومات المَلَكية.. فهل العلة تكمن في أن شعوب تلك الجمهوريات متعطشة للحروب، ولديها استعداد لتحمل تكاليفها وعواقبها، وهذا خلاف ما يراه كانط؟ أم أن الدساتير الجمهورية فاسدة، وهي التي امتدحها كانط؟ والجواب: لا هذه ولا تلك؛ إنما في الحكومات الجمهورية التي وصلت للسُّلطة (متمسكنةً) تحت مظلة تلك الدساتير، وعلى أكتاف مواطنيها، حتى إذا تمكنتْ كفرتْ بتلك الدساتير -كالحال الغربية - العربية، ثم صادرت أصوات مواطنيها، واتخذت معظم قراراتها دون الرجوع إليهم، وبعضها -كالحال العربية- عضت على السلطة بالنواجذ، وبالتالي صادرت فلسفة كانط في الدساتير الجمهورية.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store