تحدثتُ في مقاليْن سابقيْن عن منظور صناع مسلسل أم هارون للصهيونية من خلال مشهد دار فيه حوار بين الملّا عبدالسلام وزوجته في الحلقة (18) التي استوقفني فيها هذا المشهد، ومشهد آخر هو موضوع مقالي هذا بأجزائه الثلاثة، والمشهد هو في مركز الشرطة، وفيه الملّا عبدالسلام والحاخام دواد وضابط شرطة إنجليزي، ومترجم لكلام الضابط إلى العربية.

الضابط يسألهما عن أسباب شجارهما، فأجاب الملّا: «إحنا متهاوشين عشان ولدي خد بنته وراحوا يتزوجون برة».

المترجم كويتي يترجم كلام الضابط الإنجليزي: ليه تتهاوشون وإنتم من ديرة واحدة، المفروض تستأنسون؟

الملا: إيش لون نستأنس أصل هذا النسب ما يشرفني أنا..

الحاخام: حضرة الضابط أنا ما يشرفني، خلني أقول لك، أفهمك إحنا نعيش بمكان واحد ما يخالف، كل واحد يعرف إللى له واللي عليه، لكن إحنا نتناسب لا وألف لا، إحنا يا حضرة الضابط اللي بيننا وبينهم سنين طويلة ترى مو تو جديد، من زمان من أيام خيبر حتى الآن واحنا تحت الظلم والإهانة، زواج لا.. ما يختلط دمّنا بدمهم، ترجم له، قالها بعزة وأنفة، والمًلّا لم يرد ولا بكلمة، كأنّ الذي قاله الحاخام حق!!!

وهذه العبارات لا تختلف في مضمونها عن هذه العبارة: وفي اليمن عاش اليهود منذ طردهم من الحجاز في القرن السابع، ليتعرضوا طوال قرون للتعذيب والتمييز الشديدين من لدن الحكم الإسلامي» هذه العبارات للإسرائيلي الصهيوني تسفي جباي في مقاله الذي نشر في موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، ونشر في 27/6/2017م بعنوان «التطهير العرقي ليهود الدول العربية في ظل النزاع العربي الإسرائيلي».

ما هذا الكم من المغالطات التاريخية التي جاءت على لسان الحاخام اليهودي، وقد عجز الملّا عبدالسلام عن الرد على كل تلك المغالطات، وكأنّ لا حجة لديه، ومُسلِّمًا بصحة ما قاله؟ لماذا لم ينف ما قاله الحاخام؟

هل وصل الأمر إلى النيل من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنّ ما حدث في خيبر ظلم وإهانة لليهود مستمر إلى الآن؟

هناك حقيقة لابد من بيانها عن ما يمارسه اليهود في البلاد التي يذهبون إليها قبل ردي على ما قاله الحاخام، فإثر هجوم تيطس سنة 70م على اليهود في فلسطين اجتمعت فلول اليهود الهاربة في العريش بعد أن تدارسوا أمرهم، وأقسموا قبل رحيلهم وشتاتهم في المنافي والمعازل «الدياسبورا» على خمسة مبادئ ظلت دستور عملهم، وما تزال نجومًا تهديهم إلى ضلالهم وتضليل غيرهم من الأغيار، وهذه المبادئ هي:

- أن يبقوا محافظين على دينهم، مهما لاقوا في ذلك من عنت وعناء.

- أن يبقوا محافظين على لغتهم إلى جانب أية لغة قد يضطرون إلى تعلمها.

- أن يبقوا على اتصال دائم فيما بينهم مهما بعدت الشقة وتفرقت بهم السبل.

- أن يعملوا بكافة الوسائل المتاحة على الرجوع إلى أرض الميعاد، وأن يقولوا كل صباح «شلت يميني إن نسيتك يا أورشليم».

- أن يعملوا على إفساد جميع شعوب الأرض بأية وسيلة ممكنة.[داود سنقراط: جذور الفكر اليهودي ص 129، 130]

هذه المبادئ الخمسة التي حملها اليهود معهم، وتشتتوا في جميع أنحاء الأرض يعملون بها، وكانت جذور المبادئ هي السبب المباشر في كل ما تعرض له اليهود من ويلات وطرد، إذ انتشروا في المنافي في كل مكان يمارسون فيها جرائمهم ومخازيهم، فمنهم من ذهب إلى الجزيرة العربية جنوباً فأقاموا في تيماء وفدك وخيبر ويثرب، ونجران حتى جاء الإسلام فأجلاهم عنها، بعد أن حاربوا النبي صلى الله عليه وسلّم وعادوه، وحاولوا قتله مرتيْن، وحاولوا أكثر من مرة إثارة الفتنة في صفوف الأوس والخزرج (الأنصار) بتذكيرهم بيوم بُعاث التي وقعت قبل الهجرة بخمس سنوات وعد أشهر وأدمى معركة بين الأوس والخزرج، ومعروف أنّ «خيبر» كانت وكر الدس والتآمر، ومركز إثارة الحروب، فيهود خيبر هم الذين حزّبوا الأحزاب ضد المسلمين.

وبعد خروجهم من خيبر في عهد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، ذهب البعض منهم إلى العراق والبعض الآخر إلى الشام والبعض الآخر إلى مصر، ولم يذهب أحد منهم إلى الخليج العربي، ومنهم من انتشر على شطوط البحر المتوسط شمالاً وجنوبًا في الشمال الأفريقي، وفي المدن اليونانية والرومانية والفرنسية والأسبانية التجارية كنابولي، وجنوة، والبندقية، ومرسيليا، إلا أنّهم ما كادوا يستقرون في الأماكن التي استقروا فيها حتى أخذت تطاردهم جرائمهم ومخازيهم، وليس حقد الناس عليهم وحده كما يزعمون، فقد طردوا من إنجلترا نهائيًا سنة 1275م، وطردوا من فرنسا سنة 1306م، ومن سكسونيا سنة 1348م، ومن هنغاريا سنة 1360م، وسنة 1582م، ومن بلجيكا سنة 1444م، ومن أسبانيا سنة 1492م، ومن ليتوانيا سنة 1495م، ومن البرتغال سنة 1498م، ومن إيطاليا سنة 1540، ومن بفاريا سنة 1551م، كما أنّهم طردوا من ألمانيا وبولندا ووسط أوروبا في الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية.[المرجع السابق: ص 132]

واستضافتهم البلاد العربية وأحسنت ضيافتهم، وتولى بعضهم مناصب قيادية، منها مناصب وزارية في العراق والمغرب، فبعد سقوط الحكم الإسلامي في غرناطة خير اليهود بين اعتناق المسيحية أو الهجرة، فالذين اختاروا الهجرة انتقلت أعدادهم الكبرى إلى البرتغال والمغرب، غير أنّ أعدادًا أخرى انتقلت إلى البلقان وأراضي الدولة العثمانية ومنها إلى الشام لاسيّما دمشق، واليهود الذين ذهبوا إلى المغرب تولوا مناصب عليا في عصري المرابطين والموحدين، ولم يكونوا منعزلين داخل «غيتوات» فقد أعطتهم الدولة الحرية في إدارة شؤونهم الداخلية، ولم يكن باستطاعة أحد أن يفرق بين اليهودي والمسلم، ولكن اليهود يتحدثون عن الاضطهاد المزعوم دون أن يذكروا أسبابه. أمّا اليهود في مصر فقد كانوا من أكبر الطوائف اليهودية في العالم العربي وأكثرهم نفوذًا وانفتاحًا ومشاركة في مختلف المجالات في المجتمع المصري الحديث.

أمّا دول الخليج العربي فلم يُهاجر أحد منهم إليها، فهجرة أقليات منهم إلى (عُمان والكويت والبحرين) كانت في فترة الانتداب البريطاني، أمّا الأحساء فقد استقدم المحتل العثماني بعض الموظفين اليهود العراقيين للعمل في الأحساء، وكانوا يكتبون تقاريرهم بالعبرية لئلّا يراجعها أحد فيُكتشف تلاعبهم واختلاساتهم، وقد غادروا الأحساء قبل الاحتلال الصهيوني لفلسطين.

للحديث صلة.