أواصل الحديث عن تواجد اليهود في الكويت، فهناك خلاف حول تاريخ تواجدهم في الكويت، فبينما ذكر المقيم السياسي البريطاني في الخليج لويس بيلي Lewis Pelly عندما زار الكويت عام 1865، أنّه «لا تُفرض أي ضرائب أو واجبات على اليهود في الكويت الذين يتمتعون بتسامح ديني كامل» [يوسف علي المطيري: اليهود في الخليج، ص 332] نجد ما يناقضها تقرير والي بغداد مدحت باشا عن الأحوال السياسية في منطقة الخليج والمرفوع إلى السلطات العثمانية بعد زيارته للكويت في العام 1871م؛ إذ لم يرد في تقريره أية إشارة إلى وجود لليهود في الكويت، حيث يذكر في وصفه لحال الكويت: «يعيش سكانها في حالة استقرار حتى الآن،... إلى قوله: «أنّ سكانها لا يوجد بينهم يهود أو مسيحيين.» [حمزة عليان: يهود الكويت وقائع وأحداث، ص 10،ط1، 1433هـ/ 2012م]

كما لم تتفق المصادر المتنوعة على رقم دقيق لعددهم في الكويت، وإنّما يمكن القول أنّه يتراوح بين 80 كحد أدنى و200 شخص على الأرجح في مراحل زمنية مختلفة. [حمزة عليان: يهود الكويت وقائع وأحداث، ص11]

وقام عدد من أفراد الأقلية اليهودية في الكويت في تصنيع وبيع الخمور ممّا أثّر على سمعتهم، فقد ذكر المعتمد البريطاني في الكويت في 13 فبراير عام 1918 «أنّ كمية الخمور والمسكرات في الكويت ومن يشربونها أصبحت مخزية» وقد قام الشيخ سالم المبارك الصباح الذي عرف بالتدين بالكثير من الإجراءات فيما يتعلق بانتشار المسكرات والبغاء العلني ومحاولة القضاء على هذه السلوكيات، كما استدعى العاملين في بيع المشروبات الكحولية وترويجها بين السكان من الأقلية اليهودية وحذّرهم من مغبة الاستمرار في ذلك. [يوسف على المطيري: اليهود في الخليج: ص335]، وهذا بطبيعة الحال لم يُظهره المسلسل لأنّه يسعى إلى تحسين صورة اليهود بإخفاء مثالبهم التي عرفوا بها في جميع المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها في مختلف الأماكن والأزمان.

كما دارت الشبهات في القيام بنشاط تهريب الذهب إلى إسرائيل في الكويت حول التاجر اليهودي والمقيم في الكويت أنور منشي كوهين، ممّا جعل مجلة «الإيمان» التي يصدرها النادي الثقافي القومي في الكويت تنشر مقالة كتبها الدكتور أحمد الخطيب بعنوان «كوهين في الكويت» تحرض عليه، فأصدر الشيخ عبدالله المبارك الصباح المسؤول عن الأمن في الكويت – آنذاك- أمرًا بمغادرته الكويت في مايو 1953 رغم أنّه هو نفسه أي أنور منشي كوهين ينفي ذلك. [المرجع السابق:ص 389-390] فالذي كان يُهرّب الذهب كوهين اليهودي وليس أبو سعيد الكويتي، كما جاء في مسلسل أم هارون، فلماذا صنّاع المسلسل يتسترون على المهرب اليهودي، ويُلصقون تهمة تهريب الذهب بالمواطن الكويتي؟

هذا وممّا يجدر ذكره أنّ الأقلية اليهودية في الكويت كانوا من الرعايا التابعين لبريطانيا وفق اتفاقية1925، لذلك لم يكن ينظر لهم على أنّهم مواطنون كويتيون أو من رعايا الكويت، وخصوصًا أنّ نظام الجنسية الكويتية لم يظهر إلّا في فترة لاحقة (عام 1959م)، كما لم يكونوا يحملون وثائق سفر تثبت تبعيتهم للكويت [المرجع السابق: ص341] فلم يكنّوا بالولاء للكويت فكيف تقول أم هارون لرفقة ابنة الحاخام اليهودي (داود) في الحلقة (22) - عندما أتت لبيت أم هارون تريد رؤية أمها مسعودة التي تركت بيتها غاضبة عندما علمت بأنّ زوجها الحاخام صهيونيًا؛ إذ قالت أم هارون لرفقة: «نسيتِ إنّ الوطن نعمة وأمن وأمان، الديرة نعمة والكِلِ يتمنّاها، الديرة أغلى من خياناتكم.. اللي سويتو ما ينحمل!

رفقة تسأل: إيش قصدك؟

أم هارون: أُمّج (أمك) قالت لي عن خيانتك إنت وأبوج (وأبوك)، ويش سويتو سواد ويْه (وجه)، الله يسود ويويهكم (وجوهكم) برّة، ثم تذهب أم هارون لمسعودة الواقفة عند باب الغرفة التي كانت فيها (في بيت أم هارون) وهي تبكي، وتقول لها أم هارون: «معليه الضنا يتعوّض لكن الوطن ما له بديل.. خليج قوية يا خيتي»

وهنا أسأل: هل الكويت كانت وطنًا لليهود الذين أقاموا بها بضع سنوات كضيوف من رعايا بريطانيا ورحل منها آخر واحد منهم عام 1953م، ولم يكونوا قط رعايا لدولة الكويت، كما لم يحملوا الجنسية الكويتية، وليست لديهم وثائق سفر كويتية؟

فكان الحوار ينبغي أن يدور عن خيانة البلد التي استضافتهم وأحسنت ضيافتهم، وأعطتهم حرية ممارسة عباداتهم، ولم تفرّق بينهم وبين مواطنيها في ممارستهم للتجارة ومختلف الأعمال... إلخ

فهل يريد صُنّاع المسلسل إعطاء لليهود حق في الكويت وسائر دول الخليج العربي لمجرد أنّهم أقاموا بها بضع سنوات، خاصة وأنّ اليهود الصهاينة يدّعون بالحق التاريخي في أي مكان تطأه أقدامهم؟

ووضع يهود البحرين يختلف عن وضع اليهود في الكويت، فقد أصدرت حكومة البحرين إعلانًا بتاريخ 27 فبراير 1929 يقضي بأنّ جميع الأجانب الذين لا يسجلون أنفسهم في الوكالة البريطانية يصبحون من الرعايا التابعين لحكومة البحرين، وبذلك تغير الوضع بالنسبة لتبعية الأقلية اليهودية للسلطة البريطانية كرعايا لها فلم يسجل عدد كبير منهم في المعتمدية. [يوسف عبدالله المطيري: اليهود في الخليج، ص364]

وتأكدت تبعية الأقلية اليهودية للسلطة المحلية في البحرين عندما صدر قانون الجنسية البحريني في فبراير 1937 وبدأ العمل به في مايو من السنة نفسها، وقد أعطى هذا القانون الجنسية البحرينية لكل من ولِد في البحرين او خارجها لكنه مقيم فيها ولم يسجل اسمه وجنسيته غير البحرينية لدى المعتمدية، كما أعطى القانون الحق لشيخ البحرين أن يمنح الجنسية إلى أي شخص يقيم في البحرين ويقدم طلبًا بذلك. [المرجع السابق: ص 366]

وقصة أم هارون مستقاة من قصة أم جان اليهودية التركية التي قدمت من العراق إلى البحرين، وتزوجت من هندي مسيحي ولم تسلم ومسعودة شاؤول اليهودية التي قدمت مع أهلها من العراق إلى البحرين، وأسلمت وهي في السابعة عشرة من عمرها، وعذّبها أبوها بالكي بالنار وثبتت على إسلامها، وشخصية مسعودة زوجة الحاخام داود لا علاقة لها بمسعودة شاؤول لا من قريب ولا بعيد سوى اسمها، وليس من المعقول أنّ حاخام يهودي بشخصية الحاخام داود الذي أقدم على حرق ابنته راحيل في المعبد لتبرعها بدمها لمحمد المسلم، يترك زوجته مسعودة عندما نطقت بالشهادتيْن أمامه دون أن يؤذيها، واكتفى بطردها من بيته!

للحديث صلة.