أحيانًا يسوق القَدَرُ إليك أمرًا يبدو لك من الوهلة الأولى أنه لا يستحق مجرد التفكير فيه؛ كونك ترى نتائجه بعيدة وغير مضمونة، مقابل ذلك ترى أن الاشتغال على الأمور ذات النتائج القريبة والمؤكَّدة هو الأولَى والأجدر باهتمامك.. سأعرض هنا حكايتَين من محافظتِي (محافظة العُرْضِيَّات) أقصى جنوب منطقة مكة المكرمة، تُبينان لنا أهمية الاستثمار في الأمور ذات النتائج (المتوقَّعة) حتى وإن كانت على الأمد البعيد.
الحالة الأولى لطالب يدرس -وقتَها- في الصف الأول بمتوسطة الفائجة (سهيل بن عَمرو حاليًّا) بتعليم القنفذة.. كان يتيم الأبوَين، معدمًا، ما يضطره لعدم الخروج لفسحة الإفطار وربما يضطره لتَرْك الدراسة مستقبلاً، وهو الأمر الذي لفت انتباه أحد المعلمِين الذي أبلغ بدوره قائد (مدير) المدرسة، فاستدعاه وسأله عن عدم خروجه، فأخبره -بعد إلحاح- بأن السبب هو عدم وجود مصروف يومي لديه، فقال له بطريقة تحفظ له كرامته: ما رأيك أن تتولى مع بعض زملائك البيعَ في المقصف وقت الفسحة، على أن تخرج قبل ذلك بخمس دقائق وتتناول فطورك من المقصف مجانًا مقابل قيامك بالبيع؟ فوافق على العرض، واستمر على هذه الحال حتى أنهى الصف الثاني المتوسط، ثم رغب في الوظيفة.. وفي أثناء سفره للبحث عن وظيفة قابل في أحد المجالس مدير تعليم القنفذة الأسبق الأستاذ أحمد مسفر القرني رحمه الله -وهو ابن بلدة الطالب- وعندما علم بأمره قال له: أنت طالب متفوق، وأنت خير من يستحق أن يكون معلمًا في المستقبل، ولذلك عد إلى مدرستك وأكمل المتوسطة ومعهد المعلمِين ولا تسأل عن احتياجاتك في كل شيء فأنا بها كفيل حتى تتخرج.. يقول الطالب: لم أعمل بنصيحته، فتوظفت وواصلت دراستي المسائية موفِّقًا بينها وبين والوظيفة حتى حصلت على البكالوريوس ثم حولتُ للتدريس.. ذلك الطالب هو الأستاذ محمد جود الله القرني (أبو شداد) المعلم اليوم بمتوسطة نمرة (العز بن عبدالسلام حاليًّا) بتعليم القنفذة، وهو من خيرة المعلمِين أداء وانتظامًا وأخلاقًا، ورزقه الله بأبناء منهم الموظف والطبيب والمعلم وآخرِين متفوقِين في دراستهم، وكل ذلك -بعد فضل الله.. بفضل تلك الوقفة من قائد المدرسة -وقتَها- الأستاذ (علي بن عبدِالله القرني) رحمه الله، التي أثمرت هذه الثمرة التي لن يُعدم أجرها.. والأستاذ محمد لا ينسى في الوقت نفسه وقفات معلمِي المرحلة الابتدائية معه وخاصة الأستاذ علي محمد القرني (بن عاجر) الذي كان يوفر له أدواته المدرسية.
الحكاية الأخيرة لطالب من طلاب محافظة العُرضيات أيضًا، وتخرج من المتوسطة نفسها (الفائجة) بعد صاحب الحكاية الأولى بعَقدين؛ إذ كان يَدرس في الجامعة، وكان محبًّا للقراءة والاطلاع، ويحلم بأن يكون كاتبًا يصطف اسمه مع الكتاب.. طرأت له فكرة مراسلة عدد وافر من الكتاب عبر إيميلاتهم، يطلب منهم الرأي والمشورة والنصح ليدلُّوه على الطرائق التي يصبح عن طريقها كاتبًا مثلهم، ثم انتظر، ولم يأتهِ رد إلا من زميلنا الأستاذ محمد البلادي الكاتب بهذه الصحيفة.. يقول الطالب في تغريدة له بهذا الخصوص معترفًا بجميل الأستاذ البلادي معه «كنتُ طالبًا في الجامعة، لم أكتب حرفًا ولا كتابًا، وكان طموحي آنئذ أن أكون كاتبًا فذًّا كبقية الكتاب، فراسلتُ عددًا ضخمًا منهم؛ طلبًا في النصح والمشورة.. لم يرد عليَّ حينها إلا كاتب واحد: محمد البلادي وقد كان ردُّه مفصلاً، أقول ذلك حفظًا لحقه التاريخي».. ذلك الطالب هو الدكتور متعب القرني الأستاذ المشارك بجامعة الملك خالد بأبها، صاحب المؤلفات الفكرية، والمقالات القيمة، والحوارات الجادة في أكثر من دورية ومجلة ثقافية رصينة.
هاتان حالتان -وغيرهما كثير- وما نستفيده منهما أنه ينبغي علينا أخذ الأمر -مهما صغُرت نتائجه المتوقعة في نظرنا- بكل اهتمام، وألا نسفِّه أحلام صاحبه أو نستصغرها، فنحن علينا البذر ولا نسأل عن كَم النتائج ونوعها، فهذه علمها عند الله؛ فمثل هذه الحالات فرص ذهبية ينبغي ألا نفرط فيها، أو نستهين بها.


