Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

صدمةٌ معرفية

A A
ببساطة، إنّها هزّة فكرية تنتج من التعرّض لتغيّراتٍ معرفية واختلافاتٍ منهجية ورؤى مغايرة جذرية بصورة مُفاجئة، تنتج عن فرط الاطّلاع على الأفقِ الواسع للمعلومات، وتعلّم كثيرٍ من أصول المعرفة والسِّيَر والأحداث وإدراك حقائق «صادمة» جديدة، بعد أن عاش العقلُ في سُباتٍ وتغييب وتجهيل، وحالةٍ من الرُّكود والفتور ردحاً من الزّمن، راضياً بما تلقّاه من علمٍ محدود، قانعاً بما يعرفه من معلوماتٍ بسيطة، مطمئناً لما يردّده من محفوظات تقليديةٍ ساذجة، مُعتمداً عليها في تحديد نظرته السّطحية للكون وتعرّفِه على نفسه، وتأطير علاقاته بالآخرين.

إنّ إدراك الكمّ الهائل والمختلف من المعلومات والمعرفة، وارتفاع الوعي بشكلٍ سريع، لا يمكن إلا أن يتسبّب في ارتجاج نفسي قوي، وصدمة فكرية مؤلمة، تترك العاقلَ في حالة من الذُّهول المعرفي والتناقض الثقافي، ومشاعر الغُبن والقهر، وعواطف لا تخلو من الحزن والنّدم، بل والغضب أحياناً.

يحدث ذلك كلّه في غياب أرضيّة معرِفية قوية يمكن للإنسان أن يثبت عليها، ريثما يحاول التعافي من الدُّوار الثقافي، ومواجهة «التهديد» المعرفي الذي يستفزّ عقله، ومراجعة كثير مما تعلّمه في محيطٍ بائس ضيّق من دروسٍ وقناعات، تبيّن له فجأة أنها مجرّد وجهاتِ نظرٍ فردية وآراء شخصية كان يظنها قطعيّة حدّية، وموروثاتٍ دينية وتاريخية وفكرية واجتماعية، تحفّزه كراشدٍ عاقل حُر على غربلة التراث والتشكيك في التاريخ ونقدِ الأفكار ومراجعة الآراء ورفض القناعات أو قبولها، لكن بعد أن يتجاوز آثار تلك الصّدمة التي من أعراضها: ومضاتٌ مؤلمة من أحداث الماضي المُشوّش، وحمّى تنافرٍ ثقافي واضطراب هوية اجتماعية، وتفكيرٌ مؤرّق يمنعه من النوم ويصيبه بكوابيس ليلية، وضعفُ ثقة في موروثاتٍ كان يراها مُقدّسة لا يعتريها الخطأ، ومشاعرُ صاخبة مُمتزجة بالدّهشة حيناً، وبالفتور أحياناً.

وعموماً، تُعدُّ «الصّدمة المعرفية» جسراً ينقل الفرد إلى ساحاتٍ أكثر رحابةً وجمالاً وتقبّلاً، بعد وقوعه أسيراً لبرمجة اجتماعيةٍ وثقافةِ قطيع، يعلم بعدها أن لا حاجة لأن يُغرّد خارج السّرب، فلا وجود للسّرب ابتداءً، ويبدأ بالتفكير خارج الصّندوق، بعد أن أدرك أنه لا يوجد صندوقٌ في الأساس، وهي صدمةٌ ضرورية تحفّز الإنسان على أن يكون مُتفرّداً بنفسه، مُتحرّراً من جلْد ذاته، لكنها قد تجعله وحيداً بين أهله، معزولاً في مجتمعه، فارتفاع الإدراك وتغيير القناعات وإن كان متأخراً، يجعل الفرد أحد الغرباء الناجين من القيود.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store