يبدو أن الملل من متطلّبات الحياة السعيدة.. قد يكون هذا الكلام مُستغرباً، نظراً لتطلّع الإنسان في معظم حالاته إلى «الإثارة» النفسية والذهنية، للهروب من رتابةٍ قد تُعزّز شعوره بالغيظ والكآبة، إلى درجة رغبته بوقوع أي أحداث، ولو لم تكن ممتعة بالضرورة، كي يتجنّب السّأم، فحسب.
يرى الفيلسوف (برتراند راسل) أن «الملل» عاطفةٌ تثيرها المقارنات بين ظروف قائمة وبين ظروف أكثر تشوُّفاً، كما يعتقد أن الملل كان من أعظم القوى المُحرّكة للإنسان عبر التاريخ، وما الحروب وحمْلات الاضطهاد وحتى المشاحنات، إلا بعضٌ من مُحاولات الإنسان الفرار من الملل، ويرى أننا في العصر الحديث أقلّ ضجراً من أسلافنا، نظراً للنّمط المثير والإيقاع السريع للحياة المدنية التي اختصرت أوقات التنقّل وقلّصت كثيراً من الساعات الطويلة للانتظار والترقّب، وشجّعت على السّعي المستمر وراء الإثارة النفسية ليل نهار، بعكس الإيقاع الفِطري البطيء لدورة الحياة الطبيعية، الذي يتماشى مع الإيقاع الفطري لخليقة الإنسان نفسه.
يمكن للتعرّض لجرعات عالية من الإثارة العصبية، أن يُصيب الإنسان بإدمانٍ سلوكي نفسي، واقتناع مزيّف بأن «الملل» جزء شاذُّ من الحياة، على الرغم من أن الهدوء والرتابة أمرٌ فطريٌّ اعتيادي، فالإفراط في تعرّض الجهاز العصبي للإنسان إلى مجموعة هجْمات يومية من العواجلِ والأحداث والأخبار والمثيرات والضوضاء، يمكن أن يصيبه بالإعياء والاستهلاك السّريع، وفي مقابلها يدفع الإنسان ثمناً باهظاً من صحّته البدنية والعقلية يظهرُ على هيئة اضطرابات نومٍ ومزاج وقلق، وأمراض القلب والشرايين، بل يمكن لتواجد الإنسان ضمن مجموعة كبيرة من الأغراب، كما يحصل في المدن المكتظة بالسكّان، وبخاصة خلال ساعات العمل وأثناء التنقّل بالمواصلات الحديثة، يمكن أن يثير فيه مجهوداً مُنهِكاً لا واعياً لمحاولة «فلترة» الضوضاء وإهمال الإنصات للضجيج من حوله، وبقائه في حالة تنبّه فطري لمحاولة تجنّبه الأذى بكلّ أشكاله خلال وجوده في بيئة بشريةٍ كثيفة ذات تردّدات عالية مُتداخلة.
يقول (راسل) في كتابه «الطريق إلى السّعادة»: «الحياة السّعيدة يجب أن تكون إلى حدّ كبير حياةً هادئة، لأن المرح لا يُمكن أن يستمرّ إلا في جوّ من الهُدوء»، داعياً إلى اتّباع نمط تربية تُقلّل من حجم الإثارة النفسية اليومية للأطفال، بوصفه من وسائل الحفاظ عليهم من فرْط التوتر والقلق، ومحاولة تجنّبهم السّعي الأعمى للتحصّل على أنواع المثيرات، فهو يقول: «علّموا أبناءكم أن يتحمّلوا الملل».


