أهداني جاري «الأستاذ خالد باعويضان» أغنية قديمة عن الطائف، واسمها «يا طالع الطائف» للمطرب الشعبي «أبو سراج»، فَفَعَلَت بي ما يعالجه الترياق السحري عند الفاقد لذاكرته، وأزاحت الصدأ عن شريط ذكرياتي عن مراحل طفولتي ودراساتي الابتدائية والمتوسّطة والثانوية في الطائف، قبل انتقالي للدراسة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالمنطقة الشرقية، ثمّ مزاولة حياتي المهنية والعائلية في جدّة.

والمرء لا ينسى مسقط رأسه، وإلّا فقد بعضاً من إنسانيته، فما بالكم إن كان هو الطائف؟ وهو إحدى القريتيْن اللتيْن ذكرهما اللهُ عزّ وجلّ في القرآن الكريم مع مكّة المكرّمة، وتقول الروايات أنّه بتُربته الخصبة وجوّه العليل وثماره اللذيذة مُقتطع من بلاد الشام، وحُملَ على جناح مَلَك للحجاز ليكون أماناً من الجوع لأهل مكّة المكرّمة مثلما مكّة هي آمنة من الخوف.

ومن حبّى للطائف تمنّيْتُ وأنا صغير أن قَبِلَ أهلُ الطائف الإسلام حين أتاهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قبل هجرته للمدينة المنوّرة، وقبل فتحه، ولو فعلوا لكان الطائف هو مُهاجَر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لكنّها مشيئة الله الذي اختار المدينة المنوّرة.

وفي الطائف يوجد أحد أهمّ آثار السيرة النبوية، وهو مسجد الكُوع الذي كان بُستان عنب استراح فيه النبيّ صلّى الله عليه وسلم بعدما خرج من الطائف حزيناً ومهموماً، ودعا فيه بذلك الدعاء الذي تقشعرّ له الأبدان، وهو «اللهم أشكو إليك ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس، إلى من تكلني، إلى عدوّ يتجهّمني، أو قريبٍ ملّكته أمري، إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي، غير أنّ عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلُحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك، لك العُتْبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلا بك»، ليستجيب الله له وينصره بالصحابة من المهاجرين والأنصار، وتصبح المدينة المنوّرة عاصمة الإسلام الأولى في التاريخ.

وفي الطائف معالم سياحية جميلة، وآثار تاريخية مجيدة، وأماكن تغنّى بها الشعراء والمطربون، ومأكولات شعبية ذات نكهة فريدة، مثل السليق والمندي الطائفي وحلوى اللبنية والشابورة الحلوة والجبنة البلدي وغيرها ممّا هي ماركة مُسجّلة للطائف منذ قديم الزمان، فضلاً عن رُمّانها الذي تغنّت به الشحرورة صباح، وبرشومها الذي يُقال أنّه علاج للسكّري، وعنبها الفائق الحلاوة.

والطائف يحتاج لمزيد من التطوير ليُصبح عالمياً، وأماكن مثل الهدا والشفا والرُدّف وليّة تكاد تكون على حالها الذي أعرفه منذ طفولتي، وليتها تُضاف إلى الحراك التطويري الذي يدور حالياً في المملكة، لتكتمل سعادتي بالطائف، ويرتقي لمصاف المدن العالمية، فأردّد مع «أبي سراج» أغنيته «يا طالع الطائف» يا عروس المشاتي والمصائف.