منذ وفاة الرئيس عرفات وأهمية القضية الفلسطينية في تراجع والقيادات الفلسطينية تسير على الطريق المعاكس، وكأن فكرها تجمَّد وأصبح يتكلم مع نفسه في قالب الحرب الباردة التي طُويت صفحاتها بتوحيد ألمانيا وتحطيم جدار برلين وتفكك منظومة الاتحاد السوفييتي سابقًا، ولكن الفكر الفلسطيني بقي أسير الماضي وطرأ عليه انقسام وانتماءات أبعدته عن عمقه العربي وتحولت إلى منصات دعاية وشتائم لا تعود عليهم بالنفع، وما صدر عن الاجتماع الأخير في لبنان أكبر دليل على سوء الإدارة وفقدان بوصلة الانتماء والحسرة من الشعب الفلسطيني الذي أصبح ضائعًا وبدون قيادة موثوقة ترعى مصالحه. أتذكر مقولة المرحوم بإذن الله الأمير سعود الفيصل عندما سأله أحد الصحفيين كيف يرى الوضع الفلسطيني، كان ردُّه: (الفلسطينيون أحبطونا)، وفي اعتقادي أن الواقع إحباط للجميع خاصة مَن عاصروا القضية من أبناء الأمتين العربية والإسلامية وراهنوا على حل عادل في إطار الدولتين. وبعد التغير الجيوسياسي في المنطقة العربية أصبح الانكشاف العربي يضغط على تعديل المواقف واتخاذ خطوات جريئة حتى لا تصل الحالة إلى انهيار شامل. مبادرة الإمارات جاءت فجأة وكان من الطبيعي أن يتبعها خطوات أخرى وأتت البحرين لتؤكد ذلك.

الرد الفلسطيني كان كلاسيكياً وليس قراءة ذكية من قبل القيادة الفلسطينية حتى لا تحطم كل الجسور من خلفها بل وذهب إلى التهديد وسحب السفراء بدون مراعاة لظروف العمالة المتواجدين في الدول التي أخذت مبادرات للتطبيع مع إسرائيل.

لقد كان هناك تحذيرات بضرورة الوحدة الفلسطينية والابتعاد عن سياسة المحاور والدول التي لن يفيدها التقارب منها لأن لتلك الدول (إيران وتركيا وقطر على وجه الخصوص) أجندات خاصة تسعى لاستخدام القضية لتحقيقها.

خطاب «الشاذلي القليبي» أمين عام الجامعة العربية الأسبق عند مغادرة الجامعة تونس وعودتها لمقرها الرئيس في القاهرة نصح القيادة الفلسطينية أثناء غزو «صدام حسين» للكويت بالابتعاد عن سياسة المحاور العربية والتركيز على قضيتهم حتى لا يخسروا دعم الإجماع العربي، ومع ذلك لم يستفيدوا من تلك النصيحة ولا من غيرها.

والمحصلة أن القيادة أخفقت وعجزت عن التصرف السريع بشكل فعال يخدم الشعب الفلسطيني ولذلك فإن عليها التنحي وفسح المجال لقيادة جديدة تستطيع التعامل مع الواقع بعقلية جديدة لأن السيد عباس وعريقات وهنية وغيرهم لا يستطيعون الوقوف أمام دول شتموا قادتها وشعوبها ويتوقعون عودة المياه إلى مجاريها خاصة في ظروف دولية سيالة تترك كل الاحتمالات مفتوحة لمزيد من الضياع.. ولا شك أن هناك من بين أبناء الشعب الفلسطيني من هم قادرون على تولي المسؤولية وإدارة الصراع بطرق ذكية ومواكبة وفك الخناق والعزلة عن الشعب الفلسطيني.