لاشك بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعد الدولة الأقوى في العالم والأكثر هيمنة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ولكن هذا لا يعني أنها تستطيع أن تفرض تلك القوة والهيمنة على كل دول العالم، فهناك دول أخرى لا تبعد عنها كثيراً في القوة والهيمنة ولديها من القوة العسكرية ما يجعل أمريكا تحسب لها ألف حساب قبل أن تقدم على عمل متهور، فروسيا والصين على سبيل المثال لا الحصر تقفان دائما في الكفة الأخرى من تلك الهيمنة، وهنالك دول أخرى تمتلك أسلحة اقتصادية تستطيع أن توقف حراك أمريكا، وهناك تحالفات دول أخرى تستطيع أيضاً أن تقف أمام تلك الهيمنة والحد منها، ولكن أمريكا من خلال سياساتها الإستراتيجية المرسومة منذ تأسيسها والتي تنمو وتتطور وفق المتطلبات والمتغيرات العالمية تسلك نهجاً سياسياً يقوم على فكر الهيمنة والتسلط والإيحاء بذلك من خلال أدواتها، وفي مقدمة تلك الأدوات تسخير أسطولها الإعلامي المنتشر في كل زاوية من زوايا العالم لبث الرعب من خلال اختلاق أحداث بين الفينة والأخرى لتوحي لدول العالم بأنها التي تستطيع أن تفعل ماتشاء وترفع من تشاء وتذل من تشاء وكأنها بذلك تطبق المثل الشعبي القائل: الحلاق يضحك على الأقرع بطقطقة المقص.
ولعل هذا المنهج المتبع يعد أحد أهم الأساليب النفسية التي تجيدها أمريكا وتجعله ضمن برامجها في مختلف المجالات الحياتية، ولعل ماحدث في انتخاباتها الرئاسية الأخيرة يكشف بجلاء ذلك النهج الذي تقوم عليه آلية تلك السياسة حيث استطاعت أن تجلب كل أجهزة الإعلام العالمية أياماً على مدى الساعة لمتابعتها وهنا يتم إرسال الرسائل المبتغاة لإثبات تلك القوة والهيمنة ومن تلك الرسائل الخطب التي يلقيها المرشحون للرئاسة والتي لا تخلو من اللعب على أوتار الدول كأساليب التهديد والوعيد أو فلنقل مبدأ العصا والجزرة لجلب البعض وإرهاب البعض لتهيئة بقية الدول لاستقبال تلك الرسائل التي سيكون لبعضها الأثر المبتغى.
وعموماً نعلم أن هذه السياسة قد بدأت في مرحلة الانحسار في ظل تغيير موازين القوى العالمية وفي ظل متطلبات العصر التي تستوجب التكامل بين الدول وفي المقابل ذلك التحول في أساليب الهيمنة الذي تحول من الغزو والاحتلال العسكري للبلدان إلى حروب اقتصادية وتقنية قد تحول العالم إلى رماد أو قد تعيده إلى مراحل التخلف والجهل. والله من وراء القصد.


