Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

«عيضة وظافر».. بعيدًا عن الأيديولوجيا

A A
كثيرة هي المسلسلات (غير المحلية) المعروضة على شاشة تلفزيوننا وغيره من القنوات، لكنها لا تلامس صُلب حياتنا اليومية، ولا تعكس قضايا مجتمعنا المحلي وهمومه، ولا تمثل ثقافتنا وقيمنا؛ فمعظمها يدور حول الهيام والغرام، والقتل والفوضوية، وبعضها لا يبرح فلك الماضي، بالتالي لا تجدها قريبة منك، ولا تجد فيها ما يمكن أن يعزز رؤية، أو يعدل مسارًا، أو يترك أثرًا مرغوبًا. بالمقابل هناك مسلسلات محلية، لكنها واقعة في أسر اللهجات المحلية؛ فلا مناص أمامك من لهجة المنطقة (الوسطى أو الغربية أو الشرقية)، ومع كامل الاحترام لتلك اللهجات إلا أنها لا تمثل الوطن الكبير، ولا تحيط بتنوعه الثقافي. وعلى هذا الاحتكار للتلفزيون من اللهجات الثلاث المحلية -يضاف لها اللهجتان المصرية والشامية- نشأ ما يمكن تسميته حالة اغتراب للهجة المحلية الجنوبية، ما أدى إلى جعلها مادة للتندر والتفكه متى وَجدت نافذة إعلامية متواضعة تطل منها. ولا يفهم من كلامي أنني أشجع على حضور اللهجات وتنافسها، بل إنني مؤمن أشد الإيمان بأن المفترض أن تكون العربية الفصحى هي المهيمنة على التلفزيون وغيره من وسائل الإعلام، في الأعمال الفنية وغيرها، لكن مادام أن اللهجات حضرت فينبغي أن يحضر التوازن بينها. غير أنه في الفترة الأخيرة أطل علينا وجهان جنوبيان هما (أسعد الزهراني وعلي الغامدي)، اللذان اتخذا من (عيضة وظافر) اسمين فنيين لهما من خلال حلقاتهما على الـ(mbc)، وذات يوم وقعتُ -من خلال تصفحي الجوال- على إحدى حلقاتهما، فكانت فاتحة وجاذبة لي لأشاهد بقية حلقات (عيضة وظافر) عبر الجوال، بل وأعود لها من حين لآخر. ربما يقول قائل وأين أنت من حلقات (عيد وسعيد) التي هي جنوبية بحتة؟ فأقول إنني شاهدتُ بعضها، لكنها لم تجذبني قدر ما جذبتني حلقات (عيضة وظافر)؛ لأنني أرى أن حلقات (عيد وسعيد) ذات لهجة (ضيقةً جدًّا)، وفكرة العمل تدور كثيرًا في فلك الماضي وقضاياه، ومتلبسة بلباسه وأماكنه، وهذا لا يعني مصادرة تلك الحلقات أو نبذها. ما يميز (عيضة وظافر) أنهما عاشا الحاضر واستخدما منجزاته، مع قليل من عبق الماضي قَدر الملح للطعام، وأنهما لم يتقوقعا على لهجة منطقة الباحة وحدها ويغرقا فيها -كونهما ينتميان لها- بل أدخلا في العمل لهجات مناطق الجنوب الواسع بما في ذلك اللهجة والنبرة التهامية. لقد كانت حلقات (عيضة وظافر) رسالة بيضاء جعلت من الثقافة واللهجة الجنوبية حاضرتَين، وهما اللتان كانتا مغيبتَين، وجعلت من بعض العادات الجنوبية تحضر في قلب المشهد، على مرأى ومسمع من المشاهد العربي، وعالجت الشاطح من تلك العادات بأسلوب رائع في قالب فكاهي فأوصلت الرسالة، وأحدثت بعض التوازن. صحيح أن اللهجة الجنوبية كانت تحضر -على استحياء- في أعمال أخرى لأسماء فنية جنوبية، لكنه حضور فردي يمثله فنان واحد في عمل فني ذي لهجة مغايرة ومهيمنة، فيصبح هذا الحضور نشازًا ومحل تندر. الميزة الأهم لهذا العمل أنه لم يكن مؤدلَجًا كبعض الأعمال الفنية؛ فلم يقم على فكرة الاستنقاص أو السخرية من جهة أو فئة، ولم يعمد للتحريض، ولم يعمد لشطر المجتمع إلى شطرَين، أحدهما في دركات الجهل والآخر في معارج النور، ولم يستخف بالثوابت، ولذا كسب رضا المشاهدين حتى خارج الوطن. لقد نجحت حلقات عيضة وظافر في أن تصرفنا عن مشاهد القتل والرعب في المسلسلات التاريخية، وتتخطى بنا الفاصل الحضاري في المسلسلات البدوية، وتخرجنا من العبث في المسلسلات العربية، وتنأى بنا عن الاحتكار والأدلجة (بكافة وجوهها) في بعض الأعمال المحلية، وتنصف الثقافة الجنوبية، وتجعل لها مكانًا في المشهدَين المحلي والعربي بعد طول تحييد وغياب.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store