اطّلعت بغبطةٍ على مقالٍ فخم للدكتور (فؤاد عزب) في الشقيقة (عكاظ)، بعنوان: «صحّ لسانك يا وِليم»، تناول فيه حسَنات الكتابة وأهمّيتها وسحرها، في كلماتٍ لها حُسنها ورونقها وعُمقها الجذّاب، وعبَقها الفوّاح، ومعانيها السهلة المُمتنعة التي لا أستطيعُ مٌجاراتها، حيث وصف معاناة الكاتب من ذلك الهوس الذي يعتريه كلّما أراد أن يكتب، أو يتوقّف عن الكتابة، وما ينتابهُ من مشاعر مضطربة لا يمكن وصفها في كلتا الحالتين.
وهنا أستأذنه في تناول المعاني نفسها لمقاله، فهل يعلم القارئ الكريم معنى أن تكون كاتباً؟! يعني أن تعيش بجسدك مع الناس، وبفكرك في آفاق أخرى، يعني أن تعتريك هواجسٌ وأفكارٌ تحاول الانفلات لتتراقص على سطورٍ مضطربة بنشوة فكرية قد تخشى افتضاحها أمام الناس.
الكتابة تُمزّقك، تُبعثرك وتشتّتك، ثم تُلملِم ما تبقى من شعثك، وتتركك كائناً بهويّة جديدةٍ ومصيرٍ مجهول.. أن تكون كاتباً، يعني أن تُدهشك التفاصيلُ الصغيرة، وتُعطيها العُذر لتُفسِد عليكَ يومك ومُتعتك، وتحرمَك النوم، وتقتربَ بك من حدود الجنون، يعني أن تتردّد بين القراءة والكتابة وتتلاعب بك الحيْرة.
الكتابةُ كما يقول (فرانز كافكا): «شكلٌ من أشكال الصّلاة»، أي حالةٌ من الوجْد الصّوفي الذي يجمع بين المُعاناة واللذة، بنهمٍ لا يفتر، وإدمانٍ لا علاجَ له، قد يتركك طُعْمةً للاضطرابات المِزاجية، وستعيش ما تبقّى من حياتك غير المستقرّة، بهاجس «النضوب»، الذي قال عنه الدكتور (أحمد خالد توفيق) في لقاء تسجيلي: «خايف من النضوب.. من إن يجي يوم ما الاقيش حاجة أكتبها تاني».
أحيلُكم إلى أبياتٍ من القصيدة الشهيرة للشاعر المشهور (تشارلز بوكوفسكي) بعنوانها المُلفت «تريد أن تصبح كاتبًا؟» يقول فيها: «إذا لم تخرج منفجرةً منك، برغم كلّ شيء، فلا تفعلها. إذا لم تخرج منكَ دون سؤال.. من قلبِك، ومن عقلك، ومن فمِك، ومن أحشائك.. فلا تفعلها.. إذا كنتَ تفعلها للمال أو الشهرة.. فلا تفعلها. إذا كنتَ تحاول الكتابةَ مثل شخصٍ آخر، فانسَ الأمر. إذا كان عليك انتظارها لتخرج مدويّةً منك، فانتظرها.. بصبر. إذا لم تخرج منك أبداً، فافعل شيئاً آخر... لا تكُن مثل كثيرٍ من الكُتّاب.. لا تكن مثل آلاف البشر الذين سمّوا أنفسهم كُتّاباً، لا تكن بليداً ومُملاً ومتبجّحاً، لا تدع حبّ ذاتك يُدمّرك. مكتباتُ العالم قد تثاءبت حتى النوم بسببِ أمثالك. لا تضِف إلى ذلك.. لا تفعلها».
وأختم بقولي: لستُ نادماً، لكنني لا أنصحُ أحداً أن يكون كاتباً أيضاً، فتلك نصيحةٌ لا أتحمّل تبعاتها غير المضمونة، فإذا نجوتَ من عواقبِ الكتابة الحقيقية، ستُصبح شخصاً آخر قد لا تتعرّف عليه.. ولا يعرفه الناس.


