إن ما صدر في أمريكا مؤخراً من تصريحات أو تقارير أو سواها يدع الحليم حيران، ويدفع الحليم دفعاً ليسأل: أليس فيهم رجل رشيد؟، فكيف تقلب أمريكا ظهر المجنّ -كما يقال- بين عشية وضحاها لأهم حلفائها في العالم قاطبة؟، ولو كان ذلك ذراً للرماد في العيون أو لإسكات نعيق الناعقين من اليسار المتطرف، فترغي وتزبد وتهدد وتتوعد، وتزج أنفها في ما لا يعنيها من شؤون غيرها، وكل ذلك دون وجه واحد من وجوه الحق. تقدِّم رِجلاً وتؤخر أخرى في كيل الاتهامات دون دليل أو حتى قرينة، بما يتعارض مع مبادئ الديمقراطية التي ترفع أمريكا لواءها ثم لا تعمل بشئ من تلك المبادئ، وكأن النظام الديمقراطي الأمريكي ذهب أدراج الرياح وأصبحت دولة رئاسية بامتياز مع أنها لم تكن يوماً دولة ديمقراطية لا بامتياز ولا أقل من ذلك. فبين الجمهوريين والديمقراطيين: كلما جاءت أمةُ لعنت أختها، حتى انقسمت الدولة الأعظم -كما تُسمى- إلى فريقين متناحرين متضادين، كما أشرت في مقالة سابقة، فآذن ذلك بلا شك بذهاب ريح أمريكا عاجلاً وليس آجلاً. وهذا الانقسام غير المسبوق وهذا التحزب والتعصب جعل الرئيس الحالي يسير على خُطى سابقه ولكن «بأستيكة» كما يقول إخوتنا المصريون الظرفاء، و»الأستيكة» لمن لا يعرفها هي الممحاة، فيريد بايدن أن يمحو آثار ترمب كلها، الصالح منها والطالح، ولو على حساب مصالح أمريكا العليا أو حساب تحالفاتها وعداواتها.
لم يكن ما بدر مؤخراً تجاه المملكة موفقاً لا من قريب أو من بعيد، فأيدي المملكة البيضاء في المصالح الأمريكية لا ينكرها الَّا جاهل أو جاحد، فهي صمام الأمان لكل تلك المصالح بالحق والعدل، وهي الممسكة بزمام أسواق الطاقة وستظل، ولولا سياساتها الاقتصادية المتوازنة المتعقلة خلال عقود لانهارت أسواق النفط وسادتها الفوضى وهو ما تعلمه أمريكا قبل غيرها. والمملكة صمام الأمان لمنع التطرف ومحاربة الإرهاب، ولولا جهودها بعد عون الله تعالى لأصبحت المنطقة كلها مرتعاً للقتلة والمتطرفين، ولأُصيبت كل مصالح الغرب وأمريكا في مقتل.
فكيف تستعدي أمريكا أهم حلفائها على مدى التاريخ؟ وبطريقة لا تخلو من الوقاحة، وتنم عن فقد الأناة والروية وعلى أعلى المستويات، دون تفكير في أن حليف اليوم قد يغير تحالفاته غداً وعلى الباغي تدور الدوائر.
وفي الوقت نفسه تمد أمريكا يدها بغصن الزيتون لعدوها اللدود الذي يسميها «الشيطان الأكبر» مستجدية إيران أن تعود للاتفاق النووي، وترفض هذه الأخيرة، وتضع أمام رغبة أمريكا العقبة تلو العقبة، والشرط تلو الشرط وأهمها اشتراط رفع العقوبات بالكامل قبل مجرد التفكير في التفاوض على الاتفاق النووي، وليت الأمر اقتصر على الرفض والصفع، فقد بادرت إيران بالرد العملي على اقتراحات أمريكا بضرب مواقعها في المنطقة ضربة تلو الأخرى، آخرها ضرب قاعدة عين أسد بوابل من الصواريخ، وصرحت ميليشيات إيران الطائفية بأن أمريكا تستحق مثل هذه الضربة وكأنها تقول: نحن من ضرب، ومن عجب فإن التصريحات الأمريكية بعد تلك الضربة تقول إن أمريكا تحقق في الأمر لتعرف من أطلق الصواريخ، لينطبق عليها قول الشاعر:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظم.
بقي أن نقول وهو أهم ما تريد هذه المقالة أن تصل إليه: إن التلويح بالسلاح النووي الإيراني من قبل إيران، وتخويف أمريكا لدول المنطقة من هذا السلاح الذي طالما سمعنا أن إيران اقتربت من امتلاكه، كل ذلك في ظني ليس إلا دعاية يُقصد منها شيء واحد: الابتزاز.
وليست حروب العراق واحتلاله عنا ببعيد حين ظللنا نسمع ليل نهار لسنوات عن أسلحة الدمار الشامل، ثم احتلت أمريكا العراق وسلمته لإيران ولم نرَ شيئاً من هذه الأسلحة المزعومة. هي كذبة أخرى وابتزاز من نوع جديد ووراء الأكمة ما وراءها. وهو أمر مفهوم في ظل أزمات أمريكا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والمناخية، وحدِّث ولا حرج.


