Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

الدجاج على محكَّات التنوير الغربي

A A
في العادة تأتي مفردتا (التنوير والغرب) متلازمتَين لا تكادان تنفكان عن بعضهما؛ بحُكم نشوء التنوير في الغرب، وانطلاقه منه. الغرب هنا يُقصد به دول الغرب الفاعلة اليوم كأمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها، التي كان لبعضها يدٌ في العالَم، وبعضها لايزال يبسط هيمنته العسكرية أو الثقافية -بشكل مباشر وغير مباشر- على أجزاء من هذا العالَم. أما التنوير فهو تلك الحركة التي قامت في فرنسا أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ووصلت إلى أجزاء كثيرة من أوروبا، وأعلت من قيمة العقل، خاصةً في مواجهة الكنيسة اللاهوتية والسُّلطة المستبدة آنذاك. على هذا ارتبط التنوير بالغرب، وأصبح معيارًا تُقاس عليه سلوكيات الأفراد والشعوب وتعاملاتهم وأفهامهم، يأتي هذا انطلاقًا من كون التنوير -وِفق السائد عنه- محكًّا عقليًّا لا يمر على قنطرته إلا ما كان صائبًا. على هذه المبادئ والقيم وغيرها التي قام عليها التنوير دعونا نضع أمام محكاته حالتَين: الحالة الأولى- دولٌ عديدة وبشرٌ في أصقاع العالَم، والحالة الأخيرة- كمٌّ وافرٌ من الدجاج الذي يعيش في حظائر الغرب ومزارعه. عندما نَعرض الحالتين على محكات التنوير الغربي سنجد أتباعَه التنويريين ينقلبون على تلك المبادئ التي قام عليها التنوير؛ فنراهم يستبيحون الحالة الأولى (الدول والبشر)، ويُشرعون فيها آلات القتل والفتك، ويزهقون الأرواح ويصادرون الممتلكات والثروات، فيغدو التنوير -والحال هذه- مبررًا لقوى الاحتلال، معززًا لوجودها، مضفيًا الشرعية على ممارساتها، ولا أرى كوارث المحتل (البريطاني والفرنسي والإيطالي والبرتغالي والهولندي والأمريكي والإسرائيلي..) ما مضى منها وما هو حاصل اليوم إلا شواهد فاقعة على فساد محكات التنوير عندما يتعلق الأمر بالآخرين (دُولاً وبشَرًا). في المقابل وحينما نعرض الحالة الثانية (الدجاج) على محكات التنوير الغربي فسنجد أتباعَه التنويريين يستحضرون كل مبادئه ويعملون على تفعيلها؛ من أجل حماية أعناق الدجاج من حدة سكاكين المسلمِين؛ فتخرج لنا فرنسا (منشأُ التنوير وباعثُه) بقرار يحظر ذبح الدجاج بالسكاكين (وِفق الطريقة الإسلامية) مستبدلة (الصعقَ) بالذبح، على أن يبدأ ذلك الحظر من (يوليو القادم ٢٠٢١م)، وهو ما يعكس بجلاء ازدواجيتها ومثيلاتها مع مبادئ التنوير. امتدادًا لهذه التناقضات دعونا نعبر المحيط الأطلسي ونحط على شاطئه الغربي، حيث سنجد طفلاً لم يتجاوز السادسة من عمره في ولاية (نورث كارولاينا) الأميركية قد مَثُل أمام المحكمة بتهمة تخريب الممتلكات، وتتمثل خطيئته في قطفه (وردة توليب) من ساحة محطة مخصصة للحافلات، غير أن القاضي أخذته الشفقة فرفض المحاكمة وأغلق القضية. في هاتين الواقعتَين نرى تناقضًا صارخًا من الغرب المتنور في مواقفه؛ فقد رأينا كيف أخذته الشفقة عندما تعلق الأمر بأرواح الدجاج ووردة التوليب، وعندما تعلق الأمر بالدول وأرواح البشر -خارج حماه- غدا سفاكًا للدماء، مصادرًا للممتلكات، مساندًا للطغاة، مسلِّحًا للمحتل، في تناقض ظاهر وازدواجية مقيتة حيال مبادئ التنوير. لعل هذا التناقض الغربي مع مبادئ التنوير يجعل الكفة تميل إلى الرأي القائل بأن التنوير الغربي قام ليخدم مصالح الإنسان الغربي وحده لا الإنسان -أيًّا كان- بوصفه إنسانًا، وهذا يؤكد أن الظروف التي نشأ فيها التنوير الغربي والمبادئ التي قام لأجلها لا تنطبق (تمامًا) على المجتمعات خارج إطاره الجغرافي، وربما يغدو هذا التناقض معززًا للدعوات المطالبة بحضور (تنوير جديد) يستهدف الغربَ ويُصلح من تعامله مع الآخر -أُسوةً بتعامله الرحيم مع الدحاج- وخاصةً خارج الحمى الغربية؛ حتى ينعم العالم بالاستقرار والسلام، وهو ما بينته في مقال سابق تحت عنوان «هل الغرب بحاجة لتنوير؟!»، وتساءلت فيه عن حاجة الغرب اليوم «لحركة فلسفية تنويرية أخرى يتبناها الفلاسفة الغربيون المعاصرون- ليستكملوا مسيرة أسلافهم- تعمل على نزع ثيمة الحروب والصراعات التي يصدِّرها الغرب ويمارسها مع الآخر خارج الحزام الغربي».
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store