لعل ما يهمُّ طالبَ العلم في الشريعة والقانون هو التسلح بعلم مقاصد الشريعة الإسلامية لأنه من أهم العلوم التي يُعتمد عليها في التشريع، وفيه كثير من الوسائل التي تمكِّن المسلمين من تخطي حواجز الزمان والمكان وظروف المجتمع، فضلاً عن أنها تساعد الفقهاء والعلماء على النهوض بالأمة وتطوير فقهها بما يمكنهم من مجاراة تطورات الحياة الإنسانية في كافة جوانبها.

والأوائل يرحمهم الله من العلماء والقضاة يحرصون على الفهم العميق لمقاصد الشريعة بنفس درجة حرص بعضهم على تعلُّم (الفراسة).

وفي سياق الحديث عن مقاصد الشريعة لا بد وأن نذكر بالتقدير والإجلال معالي الشيخ أحمد زكي يماني -يرحمه الله- الذي سعى إلى إنشاء (مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية) ضمن مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، وكانت أول إصداراته مجموعة بحوث عن مقاصد الشريعة الإسلامية.. المبادئ والمفاهيم عام 2015، وكان لمعالي الشيخ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان ستة أبحاث في هذا الإصدار: طرق الكشف عن المقاصد الشرعية، الترك في التشريع والتكليف، الترجيح بالمقاصد، المال تعريفاً ومقصداً، القواعد المقاصدية في المعاملات المالية، والمقاصد في عقود المعاملات الحديثة.

لقد عُقدت عدة دورات علمية في مقاصد الشريعة الإسلامية في المركز الثقافي الاسلامي بلندن، وفي كل دورة يشارك الأعلام المختصون في مجال الشريعة الإسلامية من أهل النظر التجديدي في الفقه المقاصدي وتفعيله بما يجعله مواكباً لواقع الحال ومتطلباته الآنية، ويُعدُّ الشيخ ابن عاشور وغيره من العلماء الذين أبرزوا دور المقاصد في التجديد الإسلامي المعاصر، وهناك مقاصد شرعية عديدة في اجتهاد الصحابة تحدث عنها الشيخ جاسر عودة وضرب العديد من الأمثلة عليها.

في عام 2014م صدر عن مركز دراسات مقاصد الشريعة الاسلامية مجموعة بحوث قيمة في تفعيل مقاصد الشريعة في المجال السياسي بتحرير الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا . وللابن السيد الدكتور مالك ربيع دحلان كتاب من جزءين عن مقاصد الشريعة الإسلامية في السياسة الشرعية، وهو رسالته في الدكتوراة، قدم فيها مساهمات سلسلة ذهبية من أعلام الاسلام منهم: الجويني، والماوردي، والغزالي، والشاطبي، وابن تيمية وفقههم في السياسة الشرعية.

ولا غرو أن تكون السياسة الشرعية من أهم قضايا الفقه، ومن خلالها تتجسد علاقة النص بالزمن، وقاعدة درء المفاسد وجلب المصالح.

ما أحوجنا اليوم إلى شخصيات قلوبُها عربية.. أرواحُها إسلامية.. عقلياتُها عالمية.