Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
شريـف قـنديـل

بعلم الوصول.. رسائل من القدس إلى النيل!

إضاءة

A A
بين مخاوف نيلية يعتريها العطش، وقلب فتاة فلسطينية باتت ليلتها ترتعش استيقظت كما توقعت على مسيرة الهمج!. هكذا بت ليلتي متوزعاً بين ما يأتي من أخبار عن النيل ومن هموم، وبين ما أشاهده على الهواء في فلسطين.. خوف قديم من حرق الأقصى يتجدد وهلع جديد من أيادٍ تعبث بالنيل يتمدد، فيما ينشطر القلب الى نصفين.. نصف يئن على ما يجري في الأقصى، ونصف يحن الى قريتي!

كانت ساحات التواصل الاجتماعي مزدحمة بالواغش والتافه والفاجر والصهيوني والمصهين والمتصهين والهلفوت، لكنني وجدت بحمد الله فلسطينيين وعرباً يتمسكون بأملاكهم وبقدسهم، وجاهزين للموت والدفن تحت جدران البيوت، ومصريين وعرباً جاهزين للذود عن نهرهم وعن وجودهم وعن الوجود، مهما أصاب العالم من عمى ومن غبش ومن بهوت! كانت القدس تنهض من ركنها القصي الحزين، وكانت القاهرة تراقب من ضفاف نهر عمره آلاف السنين!

ما بين الحلم واليقظة، كانت هناك علامات وبشارات وإشارات تؤكد كلها أن القدس عربية، وأن النيل أبداً لن يختنق أو يموت!. وفي الصباح ومع إشراقة الشمس، ومع بدء مسيرة الغش، كانت القدس تهمس في أذن النيل.. انتبه! كل القضايا المصيرية تترنح بالتبريد تارة وبالتسخين أخرى.. لكنها تموت بالاعلانات وبدء التنازلات!

كانت القدس تقول: أيها النيل الحبيب خذ مني هواجس قلبي، أودعتها طيلة وقتي في قبتي، وفي نهر العمر.. أهديها لك، فاسمعها واحفظها، وقبل أن يروها ألقِ بها في موج البحر!

أيها النيل العظيم احترس، أهنت في التاريخ مرتين.. مرة عندما أوهموهم بقيمة التقسيم، وكأنها حصص، وأخرى عندما داست خيولهم الأقصى ووصموني بأورشليم!

أيها النيل انتبه! أنت لم تزل على مفارق الدروب! فلا تسمح لهم بالعبث في مسارك بدعوى الحصص.. من خلال اتفاقيات أو تفاهمات كتلك التي صاغوها أو لفوها حول رقبتي وكلها ثقوب!.

وانتبه! الراعي الأزلي لم يصدق في الوعد ولو مرة! فاحزم أمرك بيدك، حتى لا تجني العطش وتعاني الأيام المرة! راعيك هو الله، يمنحك الوجود، وهو الشعب الذي في الشدة، يذود ويجود مهما كانت البروق والرعود!

دع عنك كل النظريات والاوهام والرؤي اللئيمة، واحذر كل من يتعامل معك بالمكر وبالخداع وبالضغينة.. حتى لا تغرق السفينة!

أقول لك الآن من فوق القبة! الآن الآن، تأمل وافرز، وتمسك بشعب حر يعصمك من الكذب ومن البهتان! افتح عينيك وأذنيك وفرعيك، ولا تسمح لانسان، مهما كان أن يقرأ فاتحة "الدلتا"!

واستمع! أنت الآن أدرى مني بكيفية سقوط الشهداء، وكيفية موت الجبناء! أنت تعرف جيداً أن الله وحده هو واهب الحياة والممات.. هو من يوقظ الناس من سبات بل من موات، فانتفض حتى لا تغدو جباناً أو تصلح في النهاية.. أحد الأموات!

واستمع! أيها النيل العظيم احترس! هم وضعوا على جدراني المغتصبة لافتة تقول "من النيل الى الفرات"! هم الآن يفسحون للمسيرات في الشوارع، ويستعدون في غرفة القيادة، لتكريم كل من سيعبث بك، فيمنحوه النجمة السداسية.. والقلادة!

احترس! هم مدمنون لقتل الانسان واغتيال النهار! وهم يباهون بوأد السلام والأزهار! وهم يضحكون اثناء حرق كل بستان، وهدم كل دار.. وبين فترة وأخرى، يدعو الرعاة للجلوس والاتفاق والحوار!

انتبه وانظر حولك حيث تحاك الخطط والمؤامرات.. ولأنني كنت البداية، يريدون أن تكون أنت النهاية.. والحكاية أنك دفقة تمنحنا القوة والإباء من عترة الشهداء، ولأنهم يدركون ذلك، يتخبطون عندما يرونك دائماً تجري نحونا!

يا نيل انتبه! ان بدأوا يحدثونك عن جمال السد وافاضوا في الكلام قل لهم سأريكم معنى الفيضان.. قل لهم أنا النيل ولست الراين ولا الأمازون.. أنا بالخير لا بالشر أفيض، وأنا الذي لا أقبل السدود ولا القيود.. فإن عيروك بالسد العالي وأنه يبرق كالذهب قل لهم يا أغبياء! انه في دولة المصب!

يا نيل سأبوح اليك بسر خطير! فلست أخاف ممن عبثوا بالتاريخ والزمن.. الصديق الذي يغير كلامه في اليوم مرتين لا يؤتمن.. والمؤمن الذي يلدغ من الجحر مرتين ليس بمؤمن ولا يحترمه أحد في هذا الزمن.. اسمعني جيداً لا تحترم كل من قال لك: فرط في مائك قليلا وخذ حصة واصمت.. وعدل مسارك من أجل الوطن.

أيها النيل أنت تشبهني، فنار العزة تتقد، في نفس كل من يتوضأ ويصلي ويتعبد.. وكل من يريد أن يعيش نسله الى الأبد! شبابي هنا يدافعون وحدهم عني، فما وهنوا وما ضعفوا، وجنودك الأبرار لغير الله ما سجدوا.. يكفيك فخرك أن مشى فوقك كليم الله، وظل يوسف يصبر ويحتسب!

أشاركك البركة، وتشاركني طهر القداسات.. أشاركك الحب، وتشاركني فرح الفراشات.. قلبي عليك، وقلبك النابض معي في كل الأزمات!

أخيراً أيها النيل الحبيب، قل للذين جاءوا يفاوضونك أو يفاوضون فيك.. أنت من علمتهم معنى الوجود.. قل لهم أنت من أهديتهم سر الخلود.. فان سمعوا وتظاهروا بالفهم وتركوك مؤقتاً.. فاعلم انهم يخدعونك لغاية في نفس يعقوب!.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store