Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

العدوى النفسية

A A
يسبحُ الإنسان بصورة تلقائية مع التيار الاجتماعي العام، بما تصبُّ فيه من وسائل مؤثرة كالإعلام الموجّه، والتعليم المؤدلَج، والإيحاء الاجتماعي، إضافة إلى العدوى النفسية.. ويؤدي انتشار العدوى النفسية بالنتيجة إلى هوسٍ جماعي، والتسليم الجمعي بكثير من الآراء والمعتقدات والسلوكيات، يفقد نتيجتها الإنسان قدرته على إصدار أحكام متجرّدة وتبنّي انطباعاتٍ مُحايدة.

ومع مشاركة أعداد متزايدةٍ من الجماهير في منصّات وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح بإمكان الإعلام الحديث التأثير السريع والعجيب في الجماهير والعوام، بغضّ النظر عن المنطق والحقيقة.. وهنا تظهر القوة الكاسحة للصور والمقاطع المرئية بوصفهما أهمّ وسائل العدوى النفسية، وأقواها تأثيراً على أفكار الناس ومشاعرهم، وحتى توجّهاتهم وأحكامهم. يقول المؤرّخ وعالم الاجتماع الدكتور غوستاف لوبون: «إن للأفكار والمشاعر والتأثّرات والمُعتقدات عدوى في الجماعات تُماثل في قوّتها عدوى الميكروبات، وذلك أمر طبيعي في الحيوانات متى اجتمعت».

ولا يعني ذلك أنّ العدوى النفسية أمرٌ سيئ على إطلاقه، فهي أيضًا تساعد على نشر السلوكيّات الصحيّة والتصرّفات الحسنة والأفكار الإيجابية حين استخدامها بطريقةٍ إنسانية صحيحة، لكن الواقع يُشير إلى أن الإنسان يتصرّف -غالبًا- وفقاً لانطباعات غيره عنه وتوقّعاتهم منه، وليس بشكل تلقائي من ذاته المستقلّة، فمعظم الناس لا يختارون ما يرونه صحيحاً بالضرورة، بل هم واقعون تحت تسلّط الإيحاء الاجتماعي والعدوى النفسية، ولهذا، قد يبدّل الإنسانُ آراءه وأفكاره وحتى معتقداته، متأثراً بتغيّرها وتقلّبها لدى جمهور الناس من حوله.. إنّ تيّار العدوى النفسية يجرفُ كلّ من يحاول مقاومته، ولا يبدو أن النجاة منه ممكنة إلا للشذر القليل من البشر، كما أنّ الامتثال الاجتماعي يمكن أن يصل إلى حدّ الطغيان فيقيّد الحرّية الفكريّة للإنسان، ويضعه في قالب ثابت وإطار محدّد، لا يجرؤ على الخروج عنهما والتحرّر منهما.

أتذكّر مشهدًا للفنان العظيم أحمد زكي -رحمه الله- في فيلم «البيضة والحجر» يقول فيه: «شوف يا سيدي: خوف الناس من المستقبل بيسبّب لهم قلق.. والقلق بيخلق الاستعداد لتقبّل الإيحاء.. وفي ظلّ الإيحاء الناس بتصدق أي حاجة.. دا ممكن يسمع بودانه ويشوف بعينه حاجات ملهاش أي وجود»!!. وختاماً، أرى أنّ من الممكن مقاومة العدوى النفسية عن طريق التشكيكِ في الثقافة السائدة والأفكارِ التقليدية والقناعات المُنتشرة، وطرح التساؤلات ومناقشةِ الموروثات، واللجوءِ إلى مخالطة الأذكياء والحُكماء والمفكّرين، والقراءة.. فالقراءة.. ثم القراءة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store