Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

بين التواضع والاستحقاق

A A
* من أسباب الإعياء العاطفي وفرطِ القلق والإحباط: ظنُّ الإنسان أن ما يعمله مهمًّا جدًا للكون، وإعطاءُ نفسه قيمة ذاتية أكبر بكثير من قيمتهِ الواقعيّة للمجتمع والناس، وهو بذلك يُفرط في شعوره باستحقاقاته الفردية دون مسوّغ أو مبرّرات.

* من الحكمة أن تفهم يا عزيزي أنّ إرثك المادّي والمعنوي والاجتماعي والجغرافي، وحتى الدّيني، لا يُعطيك الحقّ في التكبّر وارتفاع مستوى استحقاقاتك، بل على العكس، هو يحثّك على التواضعِ والبساطة، فأنتَ لم تبذل شخصيًّا جهدًا مُعتبَرًا من أجل تحصيله واكتسابه، فنجاحُك الفردي -غالبًا- ليس إلا نتيجةَ توافق ظروفك الاجتماعية وجيناتك الوراثية، ووجودك في بيئة معيّنة في زمن معيّن.

* من فوائد المعرفة والاطّلاع، ازديادُ مستوى التواضع والتشكّك.. وفي واقع الحال، يميلُ كثيرٌ من المُفكّرين المُتميّزين وأصحاب الكفاءات إلى التواضع والتردّد والشكّ في قدراتهم العالية، تاركين بذلك المجال واسعًا لتصدّر بعض الأغبياء، والبُلَهاء، والمهووسين، والفاسدين.

* أسهمتْ مواقع التواصل الاجتماعي في ظهورِ مرضى الشخصية «النرجسيّة» وانتشارهم بشكل واضح، نتيجة تغذيتهم بزهوٍ كاذبٍ ومكانٍ افتراضي يُمارسون فيه عُقدَهم وهوسَهم بحبّ الذات وارتفاع مستوى الاستحقاق الكاذب لديهم.. يقول (دوستويفسكي): «إن المرء يُمكن أن يقترف جرائم فظيعة، لا لسببٍ غير حبّ الظهور».

* أشدّ أنواع «النرجسيّة المَرضية» هي تلك التي تصيبُ الشّخص الضئيلَ التافه بعد أنْ صار وجيهًا غنيًّا مُترَفًا مشهورًا، سامحًا لفكرة استحقاقه الرفيع أن تتسرّب إلى عقله ليقتنع بها، وهو لا يتمتّع في الحقيقة بأيّ موهبة، أو قدْرات فذّة، أو منطقٍ سليم، أو ثقافةٍ واسعة.. يقولُ الفيلسوف الإسلاميّ ابن رشد: «ما مِن رجلٍ تكبّر أو تجبّر إلا لذلّة وجدَها في نفسه».

* المشكلة: التطرّفُ في طلب الاستحقاق من جهة، والإفراطُ في تبخيس الذات من جهة أخرى.. المطلوب: الثقةُ في النفس والاعتزاز بالفضيلة، مع خفضِ درجة الاستحقاق غير الواقعية واللا أخلاقية، دون إفراطٍ في تواضعٍ يُشجّع ضعفاء النفوس على التعدّي والتطاول.

* بصورةٍ عامّة، لن يتغيّر العالم بشكل ملحوظٍ بتغيير نفسك أو اعتقاداتك، فالعالم لا يعبأ بك إن تغيّرت أم لم تتغيّر، العالم لا يهتمّ بقطرةِ ماءٍ تافهة في مُحيط مُتلاطِم، العالمُ ليس طوعَ إرادتك وتصرّفاتك، فلا يهمّه إن غضبتَ أو رضيت، إن عشتَ أو مت! تواضع ولا تأخذ الحياةَ على محمل الجد، فلن تخرجَ منها حيًّا على أيّ حال!.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store