يشهد العالم اهتمامًا واضحًا مع بسياحة الكهوف، لما فيها من روح المغامرة والاكتشاف، وتملك المملكة المقومات الكاملة للاستفادة من مثل هذه السياحة العالمية، حيث تعد الكهوف أحد المعالم الجيولوجية البارزة في السعودية، نظرًا لتنوع وتعدد البيئات الجيولوجية التي تحويها، حيث تنتشر في مناطق متنوعة تُعرف علميًا بالغطاء الرسوبي، وتشمل المنطقة الوسطى، والشرقية، والحدود الشمالية وتبوك، وتُعد تلك المناطق أكثر المناطق التي توجد بها الكهوف مثل الكهوف المنتشرة في الصمان والمعروفة بالدحّل، والكهوف الواقعة في الحرات مثل الكهوف المنتشرة في خيبر، يضاف إليها الكهوف البحرية على ساحل البحر الأحمر.
أنواع الكهوف
درج المختصون في المملكة على تصنيف الكهوف إلى نوعين هما: كهوف جبلية، وهي عبارة عن مغارات وتجاويف داخل الجبال، والنوع الآخر الكهوف الأرضية التي تعرف باسم (الدحول)، والدحول جمع دحل، وهو فتحة أو تجويف يتعمق في باطن الأرض له فوهة يختلف حجمها من ثقب صغير لا يتجاوز قطره بضعة سنتيمترات إلى فوهة واسعة يصل قطرها إلى عشرات الأمتار نتيجة لانهيار أجزاء من سقفه، ويعتقد بعض الأهالي أنها مضارب لنيازك.
وتتنوع (الدحول) حسب أحجام فوهاتها ومجاريها وتكوينها في باطن الأرض فبعضها ضيق الفوهة لا يمكن مرور جسم الإنسان من خلالها ولكن مجاريها في باطن الأرض واسعة متشعبة، والبعض الآخر منها واسع الفوهة. وقد يتسع ويتشعب (الدحل) في أسفله مكونًا ممرات ودهاليز وحجرات مختلفة المساحات والأحجام، كما أن بعضها كالحفرة في باطن الأرض واسع الفوهة وقد طمرته الرمال.
وتتكون الكهوف نتيجة لعدد من العمليات الجيولوجية مثل: التفاعلات الكيميائية بين الصخور، وعوامل التعرية بسبب المياه، والقوى التكتونية، والضغط والعوامل الجوية، وبسبب الأحياء الدقيقة. ويصنّف بعض المختصين (الدحول) في المملكة من حيث شكل التكوين إلى نوعين، الأول: رأسي المدخل يشبه البئر من حيث الفوهة والعمق، إذ قد يصل عمقها إلى نحو 14 مترًا لا يمكن النزول فيها إلا بواسطة الحبال، والثاني: أفقي المدخل نتيجة انهيار أجزاء من سقوفها.
وتستخدم بعض هذه (الدحول) كموارد للمياه منذ القدم مثل: دحل الهشامي. أما البعض الآخر فهو جاف أو تتوافر فيه المياه في مواسم الأمطار ويجف في فصل الصيف. ويلاحظ اعتدال درجة الحرارة داخل (الدحول) في الشتاء والصيف.
مواقع الكهوف في المملكة
توجد الكهوف أو (الدحول) في منطقة الغطاء الرسوبي في الأجزاء التي تقع إلى الشرق من رمال الدهناء، وتتركز بشكل كبير في هضبة الصلب التي تشكل جزءًا من هضبة الصمان، ويمتد وجودها لمسافات طويلة بمحاذاة رمال الدهناء من الشرق حتى تصل شمالًا إلى قرب مدينة رفحا في منطقة الحدود الشمالية، لذلك فهي تتوزع بين ثلاث مناطق إدارية هي: بين بلدات شوية، وحزوة، ومعقلاء، والعيطلية والرفيعة، والواقعة في الصلب شمال شرق مدينة الرياض بنحو 250كم.
وتقع الكهوف في منطقة تخترقها طرق ودروب التجارة القديمة التي تربط بين الرياض وكل من الكويت والعراق والشام، كما يخترق المنطقة في الوقت الحاضر طرق معبدة تربط رماح وشوية والرفيعة وقرية العليا مع مدينة الرياض.
ونظرًا لطبيعة تكوين المنطقة التي تقع فيها (الدحول) وانخفاضها عما حولها وقربها من كثبان الدهناء الرملية، فقد ساعدت حركة الرياح خاصة في فصل الصيف في نقل مفتتات الرمال وترسيبها في تلك المنخفضات، وعندما تهطل الأمطار في المنطقة تجرف معها تلك الرمال إلى داخل تلك (الدحول) لترسبها في قيعانها، حيث يلاحظ كثرة الترسبات الرملية في داخل بعض الدحول، مما أدى إلى اندثار معالمها، مثل: دحل أبومروة بالقرب من شوية.
وتتميز المنطقة التي تقع فيها (الدحول) بوجود معالم طبيعية متنوعة منها كثبان الدهناء الرملية، إضافة إلى عشرات المنخفضات التي تكونت فيها الفياض والرياض التي تتحول إلى مروج خضراء في فصل الشتاء والربيع وتمثل عوامل جذب للمتنزهين، وقد ساعد على ذلك وجود شبكة من الطرق الحضرية بين منطقتي الرياض والشرقية.
تكوينات الكهوف
ساعد تكوين الأراضي التي تقع فيها (الدحول) على نشأتها وتطورها، حيث تتميز تلك الأراضي بسطحها المتموج ذي التلال الصغيرة والمنخفضات الكثيرة، ذات الصخور الجيرية القابلة للذوبان، وخلال الفترة المطيرة التي سادت الجزيرة العربية في العصور الغابرة، تكونت هذه (الدحول) نتيجة تسرب المياه المحملة بثاني أكسيد الكربون إلى باطن الأرض عبر الصدوع والفتحات والتجاويف حيث تذيب المعادن الموجودة في تلك الصخور، وبواسطة التعرية والإذابة خلال فترات زمنية طويلة تشكلت قنوات وممرات ومغارات طويلة مختلفة الأحجام والأشكال، إضافة إلى الرواسب التي تتشكل داخل (الدحول) بعد انخفاض منسوب المياه فيها وجفافها.
وجهات سياحية جاذبة
وحول كيفية استثمار الكهوف أو (الدحول) كمواقع سياحية جاذبة، يقول مدير مكتب السياحة والآثار بمحافظة الأحساء وليد بن عبدالله الحسين: الكهوف والدحول والمغارات تندرج تحت ما يعرف بالتاريخ الطبيعي، لذا يتوجب دراسة بيئة هذه المواقع بطريقة علمية من حيث ظروف التكوين والتشكل والتغير والاستغلال الفطري عبر تاريخها، سواء كان من الإنسان أو الحيوان، وجمع العينات لدراستها واقتراح الأسلوب الأمثل للمحافظة على نموها الطبيعي واستغلالها سياحيًا بشرط عدم تأثير ذلك على طبيعتها وبيئتها.
ويرى الحسين أن المحافظة على الظروف البيئية لها يشكّل التحدي الحقيقي لاستمرار الاستفادة منها واستغلالها كأحد مقومات السياحة الثقافية بوجهها العلمي لتكون مقصدًا لكل مهتم ومحب لهذا الجانب من المعرفة في إطار ترفيهي جاذب ولافت وواقعي مميز يمكن أن يقدم الإجابات عن كل الأسئلة التي نتوقع أن يطرحها الزائر لمثل تلك المواقع.
وحول كيفية توظيفها سياحيًّا يسرد الحسين النقاط التالية: توفير الحماية والتنمية المناسبة واللازمة لها، تمهيد الطرق الموصلة إليها، المحافظة على الحياة الفطرية في بيئتها الطبيعية، توقيع هذه المواقع وإحداثياتها على خرائط المواقع السياحية مع توضيح نوعيتها على أنها مواقع طبيعية وكيفية الوصول إليها والجهات المسؤولة عنها لتنسيق الزيارات، إعداد المطبوعات المناسبة للتعريف بها، التعريف بها عبر نشر الدراسات التي أجريت عليها والجهود المبذولة للمحافظة عليها وعرضها في المؤتمرات والمجلات العلمية والإعلامية، حث منظمي الرحلات المحليين لإدراجها ضمن برامجها للزيارة.
أكبر فجوة في المنطقة
من جانب آخر يرى باحث الآثار في جهاز التنمية السياحية والآثار بالأحساء خالد أحمد الفريدة أن الكهوف والدحول والانكسارات الأرضية من أهم عناصر الجذب السياحي، مشيرًا إلى أن محافظة الأحساء يوجد بها عدد كبير من هذه الكهوف أهمها جبل (القارة) الذي لم تسبر أغواره حتى الساعة، بالرغم من شهرته العالمية، ثم يأتي انكسار (شدقم) الذي يقع على بعد 90كم شمال غرب الهفوف والذي يكون واحة من النخيل والحياة الفطرية المتنوعة تقع على عمق 30 مترًا تحت مستوى الأرض، كما تحتوي منطقة (الحني) 150كم غرب مدينة الهفوف على عدد كبير من هذه الكهوف مثل (دحول الصمّان)، و(طيب الاسم)، و(سريويل) وغيرها، وإن كان أشهرها (فجوة أبو الهول) التي تعد أكبر فجوة في تلك المنطقة، إذ يبلغ قطرها حوالي 25 مترًا، وهي تحتوي على حياة فطرية متنوعة، وهذه الكهوف أو الدحول تعدّ من أهم المكونات الطبيعية للمهتمين باكتشافها، وقد قامت الهيئة العامة للسياحة والآثار برصد وتسجيل هذه المواقع وتوقيعها على خرائط إلكترونية لتكون ضمن الروافد السياحية المستقبلية في المملكة.