Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

قصور الرّعاية النفسية

A A
من الواضح أنّ المشكلات النفسية ليست أموراً طارئة ولا نادرة الحدوث، وأنّ المشاعر المضطربة أصبحت واضحةً جليّة ومنتشرةً بصورة فجّة، لا يكادُ يخلو منها شخصٌ أو مجتمع، بل يعاني منها كثيرون بشكل مُزمن مُزعج للغاية، وصورةٍ تؤثّر سلباً على أمزجتهم وتصرّفاتهم وقراراتهم، فضلاً عن اندفاعاتهم وانفعالاتِهم وعَلاقاتهم الاجتماعية.. إنّ المعاناةَ النفسية أصبحت أكبر من قدرة كثيرٍ من الناس على الاحتمال والاحتواء والمُداراة، فلديهم مشاعرُ مضطرمة مُحتقنة مؤذية، تتسبّب في مزيدٍ من التدمير العاطفي، واضطرابِ الفكر والسلوك، وبالتالي، تأخّر التنمية البشرية.

لا شكّ في أنّ إنسان العصر الحديث، يتعرّض لضغوطات نفسيةٍ عنيفة، وتغييرات اجتماعيةٍ وتقنية وفكرية وثقافية واقتصاديةٍ سريعة مُتتالية، هي أكبرُ من احتمال فطرته وكينونته وطبيعتهِ الآدمية.. إنّ الإنسان بفطرته وإمكاناته النفسية العقلية، ليس مهيأً للتعامل الصحّي مع نمط الحياة العصرية بهديرها الصّاخب، وتيّارها الجارف وضجيجها المؤرّق، وسرعتها المُفرطة، وما ترتبط به من اضطراباتٍ نفسيةٍ وسلوكيةٍ خطيرة.

وبعيداً عن الأسباب الاجتماعية، والاقتصادية، والتربوية، والتعليمية، والثقافية، والوراثية المجتمعة، التي تؤدّي بالناس إلى اختلالات شخصية وسلوكية كثيرة، أرى قصوراً مُخجلاً في الاهتمام والتوعية بالأمراض النّفسية، والرعايةِ الصحّية الأوّلية والطبيّة المتقدّمة في المؤسسات الحكومية التعليمية والصحّية، يتسبّب في تأخّر التشخيص، وانتكاسِ الأعراض، وإيذاءِ النفس والغير.. ويرجعُ أحد الأسباب الرئيسة لهذا القصور المَعيب، إلى ضعف بنية التأمين الصحّي الذي لا يغطّي التكاليفَ الباهظة لمتابعة جلسات العلاج السّلوكي النفسي، والاستجابةِ للعلاجاتِ الدوائية، مما يضطرُّ كثيراً من المرضى إلى إهمال العرض على الطبيبِ المختص، لعدم قدرتهم المالية على دفعِ تكاليفِ الكشف والعقاقير الطبية، فتستمرُّ المعاناةُ ويتطوّر المرض.. وإذا أضفنا لهذا السبب، سوء التقدير والظّن الذي ينالُ من تلك الأمراض النفسية، ويضعُ صاحبها في خانةِ التوجّس وتحت ضغط الاتّهام والإهمال، فلكم أن تتخيّلوا حجم المأساة الصحيّة الاجتماعية التي تُشارك في تخلّف المجتمعات، وازديادِ معدّلات الجريمة وسلوكيّات العنف والهوس، لدى كثيرٍ من أفرادها.

يُنذر الفشلُ في إيجاد حلولٍ نظامية صحيّة سريعة، وضمان تشخيص وعلاج الأمراض النفسية المزمنة في المجتمع، واحتواء الرعاية الصحية النفسية بكامل مراحلها، يُنذر بكارثةٍ إنسانية وشيكة، ومأساةٍ اجتماعية فظيعة، بسبب تنامي الاختلالاتِ النفسية والاضطرابات الشخصية، وتدهورِ السّلوكيات الإنسانية والمشكلات الاجتماعية، فمن أهمّ وسائل تنميةِ الثروة والحقوق البشرية، الاهتمامُ الحكومي والخاص بالصّحة النفسية للإنسان.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store