Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

الصحف الورقية بين الاندثار والهندرة..

A A
يزداد وطيس المعركة الوجودية للصحافة الورقية كل يوم عن الآخر، وتزداد التحديات التي أكلت الأخضر واليابس في المؤسسات الصحفية حتى أن أكثرها قد قللت من أعدادها الإصدارية، وعدد صفحاتها إلى ربع ما كانت عليه سابقاً، بل أكثرها قام بتسريح كوادرها البشرية المؤهلة ومنها ما كان متألقاً وأمضى سنوات بفكر ثاقب، واحترافية مهنية، وتقارير إعلامية؛ عالجت الكثير من المشكلات الاقتصادية، والاجتماعية، والنفسية.. وحتماً هذا التسريح قد فاقم من المشكلة لكثرة الشكاوى في المحاكم والقضايا العمالية ضد المؤسسات الصحفية.. وزيادة الأعباء المالية في الدفع للمحامين!. كما أن مؤسسات صحفية أخرى -بالرغم من احتفاظها ببعض من كوادرها البشرية- إلا أنها تتأخر في دفع مرتباتهم مما يصيبهم بالإحباط وانتكاسة اقتصادية واجتماعية بل ونفسية كبيرة، وكثير منهم أصيب بالسكر والضغط وأمراض أخرى جراء قلة حيلتهم..!!. ومشكلة المؤسسات الصحفية كغيرها من الجهات التي لم تستفد من الطفرة الاقتصادية في السبعينيات والتي كانت أرباحها تتعدي ال 400% ولكن كانت توزع أرباحها على المساهمين بسخاء دون أي تفكير استثماري للتنمية المستدامة!!. وفي السنوات الأخيرة ومع تراجع نصيب الصحف من الإعلانات لدخول الصحافة الرقمية الإلكترونية على الخط ومنافستها، وكذلك الإعلانات التلفزيونية، بدأت الصحف الورقية تعاني العجز والترهل.. وقد تعالت مؤخراً أصوات بعض من رؤساء تحرير الصحف وأرجعوا سبب إفلاس المؤسسات الصحفية إلى: (المديونيات الكبرى على الجهات الحكومية) كما في مقال رئيس تحرير صحيفة مكة الأستاذ موفق النويصر؛ (متى تطوى صفحة مديونيات المؤسسات الصحفية على الجهات الحكومية) و»أن هناك مديونيات تعود في أقصاها إلى عام 2007م، تقدر بنحو 175 مليون ريال وأن الجهات الحكومية لا تنفيها بالكلية ولا تفعل شيئاً لإثباتها، وتأخر حسمها لا يضر بالمؤسسات ومنسوبيها وحدهم بل يمتد إلى جميع الشركات المرتبطة بها كالتوزيع، والورق، والأحبار، والمطابع لسنوات».

وحقيقة أستغرب أن تتأخر الجهات الحكومية في الدفع وهي التي لها ميزانيات سنوية مليونية ولها بند خاص للعلاقات العامة والإعلام...! وفي المقابل أن الصحف تغض الطرف لسنوات!! ولا تطالب بحقوقها مع كل اعلان جديد وهذا ما لا يُمارس في الصحف العالمية؛ فلن ينشر الإعلان إلا بالدفع أولاً؛ فالمال أولاً مقابل البضاعة، ويطبق ذلك على الأفراد، والقطاع الخاص، وحتى على الجهات الحكومية!.

أرى أن تقوم وزارة الإعلام وبالتنسيق مع وزارة المالية لإنهاء تلك المديونيات، ثم الاهتمام بتحويل المؤسسات الصحفية إلى شركات مساهمة تبدأ برأس المال المتحصل عليه من المديونيات وهي حسب -النويصر- بالملايين مقابل عدة مؤسسات صحفية، وضرورة العمل على الاستدامة المالية للصحيفة.

وفي نظري أن الصحافة الورقية لن تموت إذا استغلت الفكر التنظيمي بدل تسريح الموظفين وإنهاء عقودهم بإعادة هيكلة المنظمة جذرياً وترك الإجراءات القديمة الى أخرى حديثة بأساليب عصرية تصل إلى الجماهير بكل فئاتهم خاصة وأن الإعلام الحديث في السنابات والانستغرام قد أثبت ضحالة الفكر والرأي لأكثرهم، والبعد عن الموثوقية لمشاهير الغفلة وأنهم لن يصلوا إلى موثوقية ومصداقية الصحافة الورقية التي تعتمد الدولة في أخبارها وتقاريرها وإعلاناتها عليها، ووثق بها جمهورها.. إذن إعادة (هندرة) الهيكل التنظيمي في المؤسسات الصحفية والتفكير في مواجهة التغييرات الراهنة، والتحديات المعاصرة، ومواكبة السوق الإقليمي والعالمي بموارد بشرية متجددة، وإعادة التوازن إلى رواتب الموظفين حيث تقلصت رواتب محرري التقارير، والمراسلين إلى أدنى مستوياتها، بل واستغني عن كثير من كتاب الرأي لعدم دفع مستحقاتهم المالية فتوقفوا عن الكتابة قسرياً!!.

كل ذلك لا يحقق الاحترافية الإعلامية للصحف التي هي ليست ناقلة للخبر فحسب بل موجهة للفكر والثقافة الرصينة في المجتمع، وهذا التسريح القسري يضر بالفرد والمجتمع والمنظمة.. فهل من سبيل لإعادة وهج الصحف الورقية ومكانتها؟.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store