Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
عدنان كامل صلاح

سياسة خرقاء لأمريكا المتعالية

A A
وجدت الدول المنتجة للبترول، ومنها السعودية، نفسها في مقدمة القضايا التي يسعى الرئيس الأمريكي جو بايدن عبر مهاجمتها لاستعادة ما خسره من شعبية لدى الناخب الأمريكي، بعد ارتفاع أسعار الوقود في بلاده، وما قد يسببه ذلك من خسارة متوقعة للحزب الديمقراطي في الانتخابات البرلمانية العام المقبل وفقدانه الأغلبية في الكونجرس التي تمكنه والليبراليين المتشددين من تمرير الأجندات السياسية التي يحلمون بتنفيذها لدفع أمريكا نحو اليسار.. مع أن أسعارالوقود ليست السبب الوحيد لفقدان إدارة بايدن ولاء الناخب الأمريكي بل هناك أسباب عديدة ومنها الانسحاب غير المنظم للقوات الأمريكية من أفغانستان والتخبط في سياسة الهجرة غير الشرعية وارتفاع الأسعار لقائمة طويلة من المواد الاستهلاكية وارتفاع أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية (وأنخفضت قليلاً نتيجة للخشية من عودة أوروبا إلى سياسة الإقفال التي اتبعتها خلال جائحة كوفيد الطويلة).. يضاف إلى ذلك أن سياسة المناخ التي احتفل بها في أسكتلندا مؤخراً ليست عملية في مواجهة حاجات الشعوب حيث لوحظ توجه أوروبا إلى استخدام الفحم لمواجهة شتاءها القارس وزيادة اعتمادها على الغاز القادم من روسيا.

إدارة بايدن سعت إلى إقناع عدد من الدول، ومنها الصين واليابان والهند، بالسحب من مخزونها الاحتياطي للبترول بعد أن أعلنت الثلاثاء الماضي سحب خمسين مليون برميل من النفط الخام من الاحتياطي البترولي للولايات المتحدة الأمريكية، حيث ستقوم الحكومة ببيع هذه الكمية لشركات البترول في مناقصة عامة تسلم لهم خلال الفترة من يناير المقبل الى إبريل 2022 ومن المستبعد أن تؤدي هذه الإجراءات إلى هبوط أسعار البنزين في محطات البترول للمواطن الأمريكي فكامل الكمية لا تكفي سوى لاستهلاك ثلاثة أيام في البلاد والتي شهدت بنهاية شهر أكتوبر الماضي ارتفاع سعر الوقود بنسبة 40 في المئة عما كان عليه في شهر يناير من هذا العام.. ويواصل الحزب الديمقراطي كفاحه لتنشيط قاعدته الحزبية بعد أن كشفت استفتاءات الرأي أن رضا المواطن الأمريكي عن بايدن هبط إلى حدود الأربعين في المئة.

وعوضاً عن سعي الإدارة الأمريكية التعامل مع دول أوبك بشكل يكسب رضاءها وتعاطفها معه فإنه واصل سياسة الليبراليين المتطرفين في حزبه بمعاداة وتجاهل دول البترول في العالم بل أظهرعداءً شديداً تجاهها وخرجت أصوات إعلامية وبرلمانية مستهدفة الدول التي لا تستسلم للمطالبات الأمريكية بالسعى لإثارة الاضطرابات فيها وقلب أنظمة الحكم بالتعاون مع متطرفين وإرهابيين يدعي الأمريكيون أنهم يعادونهم.. وكثف بايدن وإدارته من محاولاتهم زعزعة الأمن في المناطق المحاذية لروسيا الاتحادية (من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للبترول)، وتسللوا إلى داخل البحر الأسود بأساطيلهم البحرية.. وأعلن الرئيس الأمريكي أخيراً عن دعوته إلى (قمة مؤتمر الديمقراطيه) يوم 9 و10 ديسمبر مستهدفاً كما قال بناء تحالف دولي ديمقراطي.. وهو هدف الغرض منه مواجهة النجاحات التي حققتها دول لا يعتبرها الأمريكيون ديمقراطية مثل الصين وروسيا التي تمكنت خلال السنين الأخيرة من إنجازات ملموسة في المجالات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية.. وهذا تحالف عالمي جديد (إن تحقق) سعت واشنطن الى استبعاد عدد كبير من الدول منه، بما في ذلك الصين وروسيا بالطبع.. مما يذكرنا بالأحلاف التي كانت قائمة خلال الحرب الباردة السابقة بين الاتحاد السوفيتي والدول الغربية، وعلى رأسها واشنطن، حيث كانت هناك دول شيوعية واشتراكية مقابل دول رأسمالية..

إلا أننا نشاهد الآن يساراً أمريكياً متطرفاً يدفع إلى سياسات اشتراكية اقتصادية وإلى مجتمعات لا دينية تقرب مما كان يقال عن الشيوعية في مواجهة مجتمعات معتدلة محافظة في الجانب الذي كان يمثله الشيوعيون.

يمكن القول إن سياسات واشنطن الآن تتسم بالفوقية والتعالي في تعاملها مع دول العالم وأن أحلامها في سقوط مشابه للاتحاد السوفيتي بالنسبة للدول المنافسة لها لن يتكرر بفعل سياساتها التي تعتمد على نظريات دراسات جامعية غير واقعية.. وعسى أن تتمكن من مراجعة هذه السياسة الخرقاء قبل أن تتهاوى الإمبراطورية الأمريكية نفسها.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store