Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. محمد سالم الغامدي

مجنون.. وسلموه العصا

A A
للحكماء أقوال حكيمة، أصبحت لمن مضى منهم، وستصبح لما سيؤتى الحكمة مستقبلاً؛ مرجعاً يتخذه البشر في وضع أنظمتهم وقوانينهم، وحتى سلوكياتهم الحياتية، ولا غرابة في ذلك، فالحكمة تعد خلاصة تجارب وممارسات ذات قيمة ومعنى، أفرزتها معتركات الحياة لتُقال ثم لتتداول بين الناس، والحكمة هي وضع الأمور في مواضعها المناسبة لها كما ينبغي أن تكون، والحكمة عطاء من رب العالمين تُعطَى لمن يختاره الله، والقرآن الكريم يقرر أن من يؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيرًا كثيرًا، قال تعالى: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب)، ولعل العبارة المعنون بها هذا المقال تصف حالة قد تحدث بين أفراد البشر، حيث تمثِّل حال بعضهم عندما توكل إليه مهمة تهدف إلى تطوير الأداء وتيسير العمل وتهيئة البيئة الجاذبة، لكن هذا الفرد الموكل إليه ذلك الدور؛ يبدأ بممارسة المهام الموكلة إليه متخبِّطاً مُتجاوزاً، متسلِّطاً في سبل تنفيذها، فنجده يتخذ من تلك المهمة إما جهلاً أو لغرض إرضاء من أوكل إليه الأمر، ولعل هذا الحال ينطبق تماماً على بعض الموكل إليهم الأمر في بعض مؤسساتنا الحكومية، كوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وهيئة الزكاة والضريبة والدخل، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وبعض أجهزة البلديات ذات العلاقة بالميدان، وهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، ومن يحذو حذوها في الدور الرقابي الميداني.. لهؤلاء جميعاً أقول:

إن حكومتنا -رعاها الله- تقود مرحلة متسارعة ومتلاحقة من التجديد في مختلف الأنظمة في كافة المجالات الحياتية، وبعض تلك الأنظمة الرقابية تستوجب وضع غرامات للمخالفات، وهذا أمر محمود كونه يسعى إلى تنظيم الأعمال، وكبح المخالفات، ومكافحة التستر التي تعد من أكبر القضايا التي يمارسها البعض، ولكن يستوجب على القائمين على العمل الميداني أن يراعوا جانب التدرج في العقاب، والتوعية السابقة، كأخذ التعهد أولاً والإنذار ثانياً ثم فرض الغرامة بعد ذلك، وخاصة أن الدولة -رعاها الله- من أهداف خطتها التنموية 2030 تشجيع الشباب على عمليات الإحلال، وفتح المؤسسات الصغيرة في مشاريع مختلفة التخصص، ولكن المؤسف واللافت أن من يفعل ذلك ويُضحِّي بما لديه من مالٍ محدود، يُفَاجَأ ببعض منسوبي تلك المؤسسات الحكومية يتسابقون تباعاً على مؤسسته، بفرض الغرامات المتنوعة بأساليب تفتقد للحكمة والموعظة الحسنة التي تهدف إلى التشجيع، حتى كانت النتيجة التي لم يُلتَفت لها بعد، وهي إغلاق تلك المؤسسات بعد تكبد أصحابها الديون التي تلاحقهم أينما ذهبوا، وقد تؤدي بهم إلى السجن أو إغلاق حساباتهم.

وبما أن تلك المؤسسات الصغيرة تعد في نظر العلم الاقتصادي أحد الروافد الهامة للتنمية، كونها تخدم الشريحة الكبرى من المواطنين، لذا أتمنى أن يُعَاد النظر في كل ذلك للتخفيف، وترك الفرصة لمن يرغب الاستثمار من أبناء الوطن لكي يتذوَّق طعم كسب جهده وتعبه، قبل أن تلتهمه الغرامات التي يفرضها بعض منسوبي مؤسساتنا الحكومية المتنافسين عليه.

والله من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store