كانت حجر مدينة أشبه بالمهجورة حيث وجد عبيد بيوتاً قائمة ولكنها غير مأهولة فاتخذها سكناً له ولعشيرته واحتجرها ومن هنا أتت التسمية.
بعد ذلك، قام أفراد القبيلة بتأسيس عدد من مراكز الاستقرار التي امتدت على ضفاف وادي حنيفة حيث أصبحت اليمامة إقليماً يحكمه أفراد هذه القبيلة بكامله.
وعندما ظهر الإسلام كان ملك اليمامة هو ثمامة بن أثال الحنفي صاحب القصة الشهيرة مع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يبيِّن مدى الاستقرار والقوة التي شكلتها هذه القبيلة في هذا الإقليم.
وخلال العصر الإسلامي وبعد انتقال العاصمة من المدينة المنورة إلى خارج الجزيرة العربية، أهمل إقليم اليمامة وعاش ردحاً من الزمن طي النسيان لما يزيد عن الألف عام.
تأسست الدولة الأخيضرية في منتصف القرن الثالث الهجري واتخذت من الخضرمة (في الخرج) عاصمة لها وهذا أثر على مدينة حجر التي كانت مدينة كبيرة شبيهة بالكوفة والبصرة من حيث الحجم والتخطيط.
سيطر الأخيضريون على المنطقة واتبعوا سياسة قاسية أدت إلى هجرة بعض السكان بالإضافة إلى القحط الذي أصاب المنطقة.
بعد سقوط الدولة الأخيضرية عاد بعض بني حنيفة إلى وسط الجزيرة العربية ليعيدوا تأسيس دولتهم من جديد.
المدينة "الدولة"
مفهوم دولة المدينة city state مفهوم يوناني كلاسيكي يعود إلى ما يقرب من خمسمائة سنة قبل الميلاد. فقد كانت شبه جزيرة اليونان مشكلة من عدة مدن - دول، أبرزها: أثينا وإسبرطة ومقدونيا، وكانت كل واحدة من هذه المدن تشكل كياناً سياسياً مستقلاً، وربما قامت بينها الحروب والنزاعات.
فالمدينة الإغريقية كناية عن دويلة صغيرة مستقلة نواتها مدينة وتتبعها القرى المجاورة لها وتحيط بها أراضي الفلاحة والريف والمراعي وقد تحصنها الأسوار المنيعة؛ بمعنى أنها ليست مجرد تجمع عمراني وإنما كان يشكل وحدة سياسية تمارس حكومتها السيادة الكاملة على أراضيها وما حولها.
ولو نظرنا إلى منطقة نجد ومدينة الدرعية تحديداً التي أسسها الأمير مانع المريدي في عام 850هـ (1446م) - الجد الثاني عشر للملك عبدالعزيز - للاحظنا أنها مدينة متوسطة الحجم بمفهوم المدن تلك الأيام، ولها مركز حضري يتألف من نسبة كبيرة من السكان ومكتفية ذاتياً من الناحية الاقتصادية لوقوعها على مفترق طرق تجارية ولكونها منطقة زراعية، نظراً لوقوعها على وادي حنيفة، فتكثر فيها المزارع التي يفيض إنتاجها عن حاجة سكانها فيقومون بتصديرها للمدن الأخرى في منطقة نجد مثل العيينة وحريملاء وغيرهما، وتولى مانع المريدي وأبناؤه وأحفاده من بعده حكم «الدرعية» وتوفير أسباب الحماية وممارسة التجارة والسيطرة على الطرق التجارية لتأمين أسباب العيش لسكانها.
ولدولة المدينة تاريخ عريق في الجزيرة العربية، حيث كانت يثرب في بداية هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها مثالاً واضحاً لدولة المدينة.
وبعد الإسلام وفي عصر الخلفاء الراشدين، وبني أمية، وبني العباس، وهي دول كبيرة.
وشهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي، وما تلاه تهميشاً كاملاً للعنصر العربي، وسيطرة أعراق غير عربية على الحكم الفعلي، وكانت أغلب أجزاء الجزيرة العربية مهمشة بشكل كبير والبعض الآخر مهمش تماماً منذ انتقال العاصمة العربية - الإسلامية من المدينة المنورة إلى الكوفة ، ومن ثم إلى دمشق وعودتها إلى العراق مرة أخرى حتى انهارت الدولة على يد القائد المغولي هولاكو، فتقسمت الإمبراطورية الإسلامية إلى ممالك متعددة.
وكان حلم بناء دولة عربية في جزيرة العرب يراود بعض العقلاء، وذلك لما اعترى هذه المنطقة الجغرافية من الإهمال خلال قرون عديدة، ولسيطرة أعراق أخرى؛ أبرزها الفارسي، والتركي على مقدرات وخيرات الأرض العربية، والشعوب العربية.
وعند دراسة ظاهرة مدينة الدرعية التي أسسها مانع المريدي منتصف القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي، وما نتج بعد ذلك، يتبيَّن لنا من عدة معطيات أنه أسس الدرعية لتكون المدينة الدولة، القابلة للتوسع مع الأيام.
ونستشف من مواقف أمراء الدرعية منذ الأمير مانع أن هناك نظاماً للحكم ركز على فكرة الدولة، وعلى العنصر العربي، وهذا ما جعل هذه المدينة لا تقوم على عصبية قبلية، وإنما على أساس دولة عربية.
وعلى الرغم من قلة المؤرخين في منطقة نجد إلا أن أحدهم وهو المؤرخ راشد بن علي بن جريس، الذي عاش في القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي ( 1289 هـ/ 1880 م تقريباً)، قال كلاماً مؤداه أن فكرة إنشاء دولة عربية في جزيرة العرب واضحة للأمير مانع المريدي، ولابنه ربيعة، وحفيده موسى بن ربيعة، وابن الحفيد إبراهيم بن موسى بن ربيعة الذي كان يسمى بأمير نجد، وغيرهم.
ويذكر أنهم أمراء مستقلون ، أي لا يتبعون لأحد، وأن في تفكير الأمير موسى بن ربيعة الاستقلال بجزيرة العرب، وفي تفكير والده، وجده ، ووالد جده مانع الاستقلال بمنطقة نجد، وشرق الجزيرة العربية التي جاء منها الأمير مانع لتأسيس الدولة في نجد بالمنطقة التي كان يسكنها أجداده من قبيلة بني حنيفة.
ومن المعطيات الأخرى على أن الدرعية أسست لتكون المدينة الدولة ما يلي:
1- حين نتأمل في الموقع الجغرافي لمدينة الدرعية يتضح لنا أنه موقع إستراتيجي لعاصمة دولة كبرى. فمن أبرز المقومات لذلك وقوعها على واحد من أهم الأودية في نجد وهو وادي حنيفة، عدا أنها تقع على أحد أهم الطرق التجارية القديمة، ذلك الطريق الذي تعد الدرعية في قلبه، والذي يأتي من جنوب شبه الجزيرة العربية مروراً بنجران ثم يتجه شمالاً إلى اليمامة ثم الدرعية حيث يتجه إلى الشمال نحو دومة الجندل وإلى الشرق نحو العراق وإلى الغرب نحو الحجاز. ويعد هذا الطريق هو طريق الحجاج القادم من فارس والعراق ووسط آسيا، الذين كانوا يواصلون سيرهم عبر الدرعية إلى مكة المكرمة، وازدادت أهمية هذا الطريق بعد قيام إمارة الدرعية على يد مانع المريدي الذي سعى وأبناؤه وأحفاده إلى تأمينه وخدمته. وبتأسيس الإمام محمد بن سعود للدولة السعودية الأولى أصبح هذا الطريق من أبرز الطرق التي تمر بها قوافل التجارة والحج، نتيجة لسياسة الإمام محمد بن سعود بتأمين هذا الطريق والارتباط بعلاقات مع القبائل التي يمر من خلال مناطقها، والاتفاق معها على ضبط الأمن وتقديم الخدمة اللازمة للمستفيدين منه.
2- كان السائد في بلدات المنطقة أن تكون البلدة في بداية التأسيس خاصة بأسرة واحدة، وبعد مرور عقود من السنين تسمح هذه الأسرة للأفراد أو عوائل محددة، وبناء على اتفاق بينهم، بالانتقال إلى بلدتهم. وهذا ما لا نلاحظه في الدرعية، فمنذ نشأتها وهي موئل للعرب الآخرين، ولذلك هاجر إليها عالم من اليمن، وأقام فيها أو زارها الكثيرون من مناطق مختلفة من جزيرة العرب.
3- كان مانع وأولاده الأمراء من بعده حريصين على حماية القوافل عامة، وقوافل الحج خاصة، وعقدوا المعاهدات مع القبائل وأمراء المدن الآخرين في منطقة نجد، وصارت لهم شهرة كبيرة في ذلك، كما كان نظام التجارة في الدرعية أكثر انفتاحا ًعلى الآخرين وأكثر منافسة .
والمتابع لدولة المدينة الدرعية يلاحظ أنها تتوسع وتضيق بحسب الاستقرار السياسي فيها، وهذه الأمور والدروس والتجارب المتراكمة الطويلة فهمها الأمير الإمام محمد بن سعود، والذي بفضل الله ثم بفضل عبقريته انتقلت (دولة المدينة في الدرعية) إلى مرحلة الدولة، والتي تعارف المؤرخون على تسميتها بـ (الدولة السعودية الأولى) .
وكانت الدولة السعودية منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا دولة عربية صافية بحكامها وشعبها، إذ لم تطأها يد أجنبية معتدية إلا ودحرتها.
الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن
ولد عام 1090هـ / 1679م، ونشأ وترعرع في الدرعية واستفاد من التجربة التي خاضها في شبابه حيث كان مراقباً جيداً لأوضاع الإمارة وعمل إلى جانب والده في ترتيب أوضاع الإمارة مما أعطاه معرفة تامة بكل أوضاعها.
شارك الإمام محمد بن سعود في الدفاع عن الدرعية عندما غزاها سعدون بن محمد زعيم بني خالد واستطاعت الصمود ودحر الجيش المعتدي. عرف عنه صفات متعددة كالتدين وحب الخير والشجاعة والقدرة على التأثير. كان محمد بن سعود امتداداً لتاريخ أسلافه الذين بنوا المدينة / الدولة وأراد أن ينتقل بها إلى دولة واسعة تتجاوز المدينة.
ظروف استثنائية
تولى الإمام محمد بن سعود الحكم في ظروف استثنائية فقد عانت الدرعية قبيل توليه الحكم من ضعف وانقسام لأسباب متعددة منها النزاع الداخلي وكذلك هجوم الدرعية على العيينة ومنها كذلك انتشار مرض الطاعون في جزيرة العرب خلال تلك الفترة الذي تسبب في وفاة أعداد كبيرة من الناس. ورغم كل هذه التحديات استطاع الإمام محمد بن سعود أن يتغلب عليها وأن يتخطاها وأن يوحد الدرعية تحت حكمه وكذلك أن يساهم في نشر الاستقرار في منطقة العارض.
كان الإمام محمد بن سعود حاكماً حكيماً وفياً تربي في بيت عز وإمارة وتعلم السياسة وطرق التعامل مع الإمارات المجاورة والعشائر المتنقلة وقد كان له دور كبير في استتاب الأوضاع في الإمارة قبل توليه الحكم. في الوقت ذاته، تحلى الإمام محمد بن سعود برؤية ثاقبة فقد درس الأوضاع التي كانت تعيشها إمارته والإمارات التي حولها بشكل خاص ووسط الجزيرة العربية بشكل عام وبدأ منذ توليه الحكم التخطيط للتغيير عن النمط السائد خلال تلك الأيام. أسس الإمام محمد بن سعود لمسار جديد في تاريخ المنطقة تمثل في الوحدة والتعليم ونشر الثقافة وتعزيز التواصل بين أفراد المجتمع والحفاظ على الأمن. وقد كان له من الأبناء أربعة وهم عبدالعزيز وعبدالله وسعود وفيصل.
حملة العيينة
تولى الإمام محمد بن سعود الحكم في منتصف عام 1139هـ/ فبراير 1727م.
توفي الإمام محمد بن سعود عام 1791هـ / 1765م بعد أربعين عاماً من القيادة والتأسيس.
أبرز أعمال الإمام محمد بن سعود بين عامي و 1139 – 1159هـ
- تأسيس الدولة السعودية الأولي الذي تم على مراحل خلال عهده .
- وحد شطري الدرعية وجعلها تحت حكم واحد
- الاهتمام بالأمور الداخلية وتقوية مجتمع الدرعية وتوحيد أفراده.
- تنظيم عملية الحصول على الموارد للدولة وعدم الجور.
- كان يحب الخلوة والتأمل والتفكر مما يدل على شخصيته في الاستقراء والتأني والرؤية المستقبلية .
- أمر ببناء حي جديد في سمحان وهو حي الطرفية وانتقل إليه بعد أن كان حي غصيبة هو مركز الحكم لفترة طويلة.
- عمل على نشر الاستقرار في الدولة التي شهدت استقرار كبيراً وازدهاراً في مجالات متنوعة .
- الاستقلال السياسي للإمام محمد بن سعود وعدم ولائه لأي قوة في حين أن بعض بلدان نجد كانت تدين بالولاء لبني خالد
- الحرص على الاستقرار الإقليمي والدليل على ذلك إرساله أخيه مشاري للرياض لإعادة دهام بن دواس إلى الحكم بعد أن تم التمرد عليه.
- القوة السياسية والاقتصادية للدولة أدت إلى انتقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب إليها وقدرتها على تحمل أعباء أعداد كبيرة من المهاجرين الذين انتقلوا لها بعيد انتقاله. وجاء انتقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب أيضا نتيجة طبيعية لسياسة الإمام محمد بن سعود، فقد عرف عنه التدين وقد كان أخويه ثنيان ومشاري وكذلك ابنه عبدالعزيز ممن كانوا على تواصل مع الشيخ محمد بن عبدالوهاب في العيينة فهذا يعطي فكرة عن تفكير الإمام محمد بن سعود المستقبلي وأن الشيخ محمد لم يخرج من العيينة إلا بعد أن دعاه الإمام محمد للقدوم للدرعية وأن هناك دولة قادرة على حماية الدعوة، حيث تبايعا على نصرتها. فقد رأى الإمام محمد بن سعود في تأييد الدعوة الإصلاحية أنها تتفق مع مبادئ الدولة التي يعمل على تأسيسها خاصة في الجانب الديني لذا رأى بعض المؤرخين أن الإمام محمد بن سعود عندما علم بتخلي أمير العيينة عن تأييدها أوعز إلى البعض بدعوة الشيخ محمد إلى الدرعية لوجود الدولة فيها واستعدادها لحمايتها.
- التواصل مع البلدات الأخرى للانضمام إلى الدولة السعودية وقدرة الإمام الكبيرة على احتواء زعاماتها وجعلهم يعلنون الانضمام للدولة والوحدة .
- بناء سور الدرعية للتصدي للهجمات الخارجية القادمة إلى الدرعية من شرق الجزيرة العربية .
- بدء حملات التوحيد وذلك بقيادته بنفسه للجيوش .
- توحيد معظم منطقة نجد وانتشار أخبار الدولة إلى معظم أرجاء الجزيرة العربية
- القدرة على تأمين طرق الحج والتجارة حيث أصبحت نجد من المناطق الآمنة.
- النجاح في التصدي لعدد من الحملات التي أرادت القضاء على الدولة في بدايتها .


