إن الأمم والحضارات والمجتمعات والأمجاد تعنى بتاريخها وبتأسيسها؛ وهي مناسبات ينبغي ألا تمر دون أن تكون لها دلالات وأحداث.. وعليه فإن الأمر الملكي التاريخي الاستثنائي الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- بالإعلان عن يوم التأسيس كان أمرًا حكيمًا وقرارًا موفقًا له أهدافه العظيمة في ربط هذا الجيل بتأسيس هذه البلاد المباركة وقادتها الميامين. ونشكره الله جل وعلا على نعمه بأن أنعم علينا بهذا اليوم التاريخي المجيد وبيوم التأسيس كنَّا، وبدونه لم نكن، فنحن في نعمة عظيمة لازلنا نتفيأها -ولله الحمد والمنة-، فالإمام محمد بن سعود -رحمه الله- مؤسس الدولة السعودية الأولى له إنجازات عظيمة من أهمها وحدة هذه البلاد والسلام ونشر الاستقرار والاهتمام بالأمور الداخلية والحرص على الاستقرار والأمن الإقليمي ودعوة الجميع للانضمام للدولة السعودية؛ وبناء سور الدرعية وبدء حملات التوحيد والاستقلال السياسي وعدم التبعية لأي نفوذ ومناصرة دعوة الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- وحمايتها وتوحيد معظم مناطق نجد والبلاد القريبة منها والتصدي لعدد من الحملات ضد الدولة وأهمها العناية بالحرمين الشريفين وطرق الحج والحجاج وضيوف الرحمن والمعتمرين.. وما أحوج الجيل الجديد إلى التعرف على ولاة أمر هذه البلاد منذ تأسيسها، لهذه البلاد المباركة في ذلك التاريخ المجيد الذي أسس فيه الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- مؤسس الدولة السعودية الأولى وحرِص على رسوخ هذا الوطن العظيم وتاريخه المجيد الممتد منذ أكثر من ٣٠٠ عام أي ثلاثة قرون كلها ولله الحمد والمنة عريقة.
ويوم التأسيس يعد ذكرى تاريخية ووطنية وفخرًا ليس لأبناء المملكة فحسب بل وللمسلمين أجمعين؛ لأن هذه البلاد قبلتهم وهي متنزل وحي ربهم وهي محل مناسكهم فكل مسلم يدين لهذه البلاد المباركة بهذه النعمة العظيمة.
وفي الحقيقة فإن الدولة السعودية دولة تأسيسية ودولة ممتدة ودولة امتداد وتجديد عبر تاريخها من قيامها من الدولة الأولى والعهد الثاني في عهد الإمام تركي بن عبدالله وهو ما يؤكد على امتداد الدولة ووضوح المبادئ الراسخة التي قامت عليها.
إن دولتنا -والحمد لله- دولة أصول ومبادئ وعلاقات وأسس وركائز ودستورها الكتاب والسنة والعقيدة والتوحيد تطبيق شرع الله تبارك وتعالى وحماية الحرمين الشريفين ورعاية ضيوف الرحمن.. والدولة السعودية بتاريخها الوطني العظيم ليست دولة مغمورة ولا في ثنايا التاريخ مطمورة وليست دولة طارئة على التاريخ ولا على الجغرافيا، هي لها من الأسس التي تشكلت من خلال وحدة أبناء الجزيرة العربية في تاريخها الحديث بعد أن عانت لعقود من هولات الفرقة والشقاق والنزاعات والصراعات.
وإن الأمر الملكي التاريخي الكريم يجسد بكل المعايير عناية المملكة بقيمة رفيعة من الاهتمام بتاريخها الذي يعد امتداداً أصيلاً لحاضرها ومستقبلها فدولةً ليس لها ماضي ولا تاريخ ليس لها حاضر ولا مستقبل..
وتستلهم من خلال عزيمة أئمتها وملوكها وقادتها الذين سعوا في مراحل بناء هذه الدولة.. ويحق لكل أمة من الأمم أن تفخر بتاريخها ونحن أبناء المملكة يحق لنا أن نرفع رؤوسنا لتعانق السماء احتفاءً بهذا اليوم التاريخي المجيد وتذكير الأجيال به..
إن إعلان المملكة لا ينفصل عن النهج الذي يسعى إلى تأصيل امتدادات الدولة ورؤيتها التطويرية لأنها ضاربة في جذور التاريخ وفي ذاكرة الوطن.. ولهذا فإن للإمام محمد بن سعود -رحمه الله- حقاً علينا وللإمام تركي بن عبدالله وللإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن ولأبنائه البررة حتى هذا العهد الزاهر المجيد عهد خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله- في رحلة بناء دولة عصرية عظيمة شكلت واحدة من أهم المشروعات الحضارية والوحداوية والعالمية التي لم تعرفها الجزيرة العربية منذ قرون طويلة..
ومن الأهمية استحضار يوم تأسيس لهذه الدولة المباركة؛ كونه امتدادًا أصيلًا وطبيعيًا لحرص واهتمام خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين للحفاظ على تاريخ هذه البلاد المباركة؛ والحفاظ على التاريخ السعودي أولاً وتاريخ الجزيرة العربية ثانياً وما يوليانه بالعناية بالتاريخ من مصادره الحقيقية والموثوقة ومن الضروري اعادة قراءة تاريخ تأسيس بلادنا وأن يكون هناك عناية واحتفائية بهذه المناسبة وربط طلابنا وأجيالنا بهذه القيم الوطنية المهمة.
* الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي


