Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. محمد سالم الغامدي

المذهبية السياسية

A A
عندما يختم الله سبحانه كتابه الكريم بقوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) فإن ذلك يعني أن الرسالة المحمدية قد اكتملت في تعاليمها وأتمت في تفصيلها كما في قوله تعالى (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) وعندما يقول تعالى (ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء) فإن ذلك لا يعني بقاء شيء في التشريع لم يبينه سبحانه في كتابه وهو أصدق القائلين، وبما أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو المكلف بتبليغ هذه الرسالة الربانية فقد أشهد الناس ثلاثاً في حجة الوداع بأنه قد أكمل التبليغ بعد اكتمال التشريعات اللازمة لإقامة مجتمع إنساني فاضل قبل وفاته عليه الصلاة والسلام، فأصبح هذا الدين العظيم صالح للتطبيق لكل الأزمنة والأمكنة دون أدنى خلاف، ثم جاءت الخلافة الراشدة التي تمثلت بمضامين تلك الرسالة كما أنزلت ولكن بعد ذلك في العصر الأموي وما بعده بدأت فكرة السلطة المدنية للدولة -الحاكم- تبدو هدفاً وبدأ الصراع عليها يشتد بحجج نشر الدين مرة والعرق مرة، وهنا برزت المذاهب الفقهية التي تحولت في بواطن سياساتها إلى دعم الساسة وتجذير كراسيهم بفتاوى مشرعة فكانت النتيجة أن اتخذ كل مذهب مركباً للسياسة بعد اتخاذ الدين عباءة يلتحفون بها تحت مظلة منتج تلك المذاهب لتدعم سياستها وهنا ألقت السياسة بظلالها على التشريع فاختلط الأمر عند الكثير من عامة الناس وخاصة بعد أن أقحم بعض علماء الشرع نفسه كطرف سياسي شرعي في تلك الصراعات بغية تحقيق أطماع دنيوية بعد أن تحول مثل أولئك الى مشرِّعين يتحدثون باسم الساسة فيحرِّمون ما يروق لهم ويكفرون ما لا ينتمي لهم.
وهكذا تنامت تلك الصراعات المذهبية المسيسة حتى أفرزت الكثير من التشرذمات المذهبية المسيسة وتلاشت الوسطية التي أمر بها الله تعالى في كتابه في قوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) حتى بلغت في جذوتها حد قتل الابن أباه وأمه والأخ أخاه وتنامت حالات التكفير والتفجير، كما أصبحت كل طائفة ترى أنها الوحيدة التي تحمل لواء الدين وتحمي تعاليمه بينما الحقيقة أن الكثير منهم قد انحرف عن وسطية الدين أما من يملك الحقيقة فهو من نأى بنفسه عن تلك الصراعات والتزم تعاليم دينه كما وردت في كتاب الله وصحيح نبيه والتزم بما أحله الله وما حرمه في كتابه.. والله من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store