أكتبُ عنك اليوم يا أبا غنوة، بعد أن واروك الثرى، ثرى جدة التي سكنت روحك، أكتب عنك والحياء يغلبني، فقد تعوّدنا على ثقافة تحمل كثيرًا من الجرم والجفاء، ألا وهي ثقافة المدح والثناء بعد الرحيل، وبعد أن تُقبض الأرواح.. ودائمًا ما أتذكّر كلمات الكاتبة بدرية الصالح عندما سُئلت: متى يُكرّم المبدع؟! فقالت: إن التكريم خلال الرحلة المضنية، وأفضله في سنوات العطاء، وقبل أن يبلغ المبدع من الكبر عتيًّا، أو يكون على مشارف الموت؛ لأن التكريم بعد الفناء هو رثاء، وهو نوع من البكائيات التي لا تعني المبدع، ولا الإبداع في شيء.عرفناك يا أبا غنوة وفيًّا، كلماتك فيها شوق وولاء، ومسكونة بالعطاء لمن حولك، بل كنت تعطي عطاءً يتفق ومحبتك؛ لأنك إنسان قبل كل شيء، نعم يا أبا غنوة الموت حق، ولكن فراق الأحبة صعب، فلم تحمل في قلبك ذرة من حقد، أو حسد، أو بغضاء لأحد. قلت لي مرة، ونحن نتجاذب أطراف الحديث، بأنك لم تضع جنبك للنوم قط، وفي قلبك ضغينة على أحد.رحمك الله، وأسكنك فسيح الجنان، كنا نغبطك على معاملتك الدافئة، وأخلاقك العذبة، وبشاشة وجهك، ونقاء سريرتك. وإنني أتذكر كثيرًا من المواقف النبيلة التي كنت تسعى لها. فجميل أن تسمع بالرجال، وهو أمر محبذ، ولكن الأجمل والأروع أن تخالط الرجال، وتجلس معهم، وذلك شيء كبير، وأنت يا عمدة الصحافة وعمدة الثقافة الجداوية من الرجال الذين سعدنا بالجلوس والحديث معهم، ووالله عشنا وقتًا لم نسمع الإساءة، بل نسمع كلمات الحب والتسامح منك.أجدني اليوم أمدحك بعد وفاتك أبا غنوة، ونحن نعرف أنك تحمل فكرًا نيّرًا، وإبداعًا علميًّا سهلاً، ومخزونًا ثقافيًّا كنت ألمس اهتمامك وحرصك على أحبابك في كثير من المواقف، لأنك كنت تعرف بفطرتك النقية التي أكرمك الله بها أن الحب والعطاء صفة إنسانية، ماذا عساني أن أقول عنك أيُّها النبيل المسكون بحب كل من حولك، وأنا أكتب كلمات عنك يا أبا غنوة تذكرتُ كلمات عضو اللجنة العليا لمهرجان الرواد والمبدعين العرب، عندما عبر عن أسفه لعدم اهتمام المؤسسات العلمية والثقافية بتكريم المبدعين والرواد.. بل هي تنتظر المبدع حتى يودع الحياة، ثم تقوم بتكريمه، ثم ترتفع الأصوات وتعج بأعلى صوت: هذا المبدع يستحق التكريم.محمد صادق دياب.. رحمك المولى، وأسكنك فسيح الجنان، وعزاؤنا أنك في واحة مضيئة من ذاكرتنا.* رسالة:أبا حليت أعرف أنك لا تحب المدح، ولا ترغب في الثناء، ولكن دعني أقل إن الشهامة وسمات الواجب تسكن قلبك وروحك ونسيجك، نعم يا عبدالمحسن إن الأخلاق والمبادئ لا ترتبط بشيء ملموس، بل هي نعمة من العلي القدير يهبها لكل من يختارهم، وقد كنت شمعة مضيئة حبًّا وعشقًا لمن حولك، ونحن نعرف كل مواقفك النبيلة التي لمسناها في وجداننا وعروقنا، وهذا أمر غير مستغرب. فرسالتك وما تحمله جنبات نفسك من قلب ينبض بالحنان.. لن تكفي الكلمات والعبارات عنك، ولكن تظل أنت بشهامتك ونبلك عبدالمحسن حليت مسلم[email protected]
وداعاً.. محمد صادق دياب
تاريخ النشر: 14 أبريل 2011 04:18 KSA
أكتبُ عنك اليوم يا أبا غنوة، بعد أن واروك الثرى، ثرى جدة التي سكنت روحك، أكتب عنك والحياء يغلبني، فقد تعوّدنا على ثقافة تحمل كثيرًا من الجرم والجفاء، ألا وهي ثقافة المدح والثناء بعد الرحيل، وبعد أن
A A


