Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

تأسيس الهِجَر وتوطين البادية أعظم مشروع تنموي في القرن العشرين

تأسيس الهِجَر وتوطين البادية أعظم مشروع تنموي في القرن العشرين

A A
إنه ممّا لا ريب أن مشروع توطين البادية وتأسيس الهِجَر هو في حقيقته توحيدٌ لتراب الوطن ولمّ شمل شعثه بعد تفرّق وتمزّق، ويعدُّ هذا المشروع - الذي نما مباركًا على مرّ السنوات - جانبًا هامًّا من جوانب عبقرية ومنجزات رجل القرن العشرين الملك المؤسّس عبدالعزيز يرحمه الله؛ فقد حدّدت بعض المصادر التاريخية أن عبدالعزيز لما دخل الرياض في شوال سنة ١٣١٩هـ/١٩٠٢م كانت نسبة البداوة في البلاد تتجاوز ٦٠٪ من إجمالي السكان، (ولعل النسبة كانت أكبر من ذلك بسبب غياب التقديرات الرسمية)، والدليل على ذلك أن تقديرات الأمم المتحدة لعام ١٣٧٧هـ/1958م ذكرت أن هذه النسبة تصل لـ ٨٥٪، وهي نسبة كبيرة جعلتْ الأمر معضلة لتأسيس دولة، وكان حلّ هذه المعضلة آنيًّا أمرٌ يصعب تحقيقه.

‏وقد أدرك عبدالعزيز مبكرًا أنه لن يستطيع بناء دولة قوية دون بناء إنسانها، وأنه لا يمكن وقف الغزو والفوضى الأمنية في الجزيرة دون الشروع في توطين البادية ولجم الانفلات الأمني في بعض الأحيان، وهو انفلات كان يغدّيه الجهل والفقر وحال التّرحال المستمرّ؛ وكان عبدالعزيز يعلم أن أهل البادية هم عماد الدولة ومخزن رجالها، وهم عماد جيشه ورأس حربته الذي به يُنفّذ مشروعه الطموح في عملية الاسترداد الكبير والتوحيد الشامل، لذلك عمل على وضع استراتيجية جريئة وهامة تساعده على تغيير نمط حياة السكان، والحقيقة أن فكرة تغيير نمط السكان من الارتحال الدائم إلى الاستقرار ووضع بذور المدنية في صحراء الجزيرة العربية ليست بالفكرة الهيّنة السّهلة التحقيق.

‏والمؤسّس يعلم بعبقريته التي حباه الله تعالى بها أن أهل البادية لو لم يكن من عادتهم التنقل وتتبع مساقط المياه والأمطار لاستطاعوا بناء حضارة عمرانية يسهل من خلالها تأسيس دولة مدنية؛ لذلك استغلّ هذا الاستعداد الفطري فسعى لتنفيذ مشروعه الهام في توطين البادية وبناء الهِجَر، وهو مشروع حضاري قلّ أن نجد له مثيلاً في العالم المعاصر.

‏وما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن "حركة إخوان من طاع الله" التي انتشرت بين البدو قد ساعدت في توطين البادية من خلال زرع العقيدة الصحيحة في نفوسهم، ودعوتهم إلى نبذ البدع وترك العصبية القبلية، والرجوع إلى تعاليم الدين الصحيحة، والولاء للإسلام وطاعة ولي الأمر، وكان من نتيجة ذلك أن تشرّب البدو مصطلح الوطن والوطنية في نفوسهم، فأحدث ذلك كله تحولات جوهرية في فكرهم وأثّر في انتماءاتهم وسيكولوجيتهم، وهو ما سرّع من عملية التوحيد والتأسيس لمملكة التوحيد، وبناء دولة حديثة كانت المنطقة بأمسّ الحاجة إلى قيامها.

ولعلّ مسألة إقناع أهل البادية بهذا النوع من الحياة وترك حياتهم التي كانت تتميز بحرية التنقل وعدم الانتماء لمركز محدّد أو أرض معينه، وإنما الانتماء والطاعة لشيخ القبيلة ولمكان وجود الكلأ والمرعى، هو أمر شديد الصعوبة، وقد وقع على عاتق دعاة "إخوان من طاع الله" الذين نجحوا في تلك المهمة الشريفة عن طريق تصحيح عقائد الناس، وتعليمهم أمور دينهم، وربطهم بأرض مستقرّة، ودارٍ لعيونهم قريرة.

‏ومن خلال تنفيذ هذا المشروع الحضاري الحيوي المستقبلي السابق لعصره، فقد حُقّقتْ نتائج هامة صبّتْ في نهايتها في مصلحة بناء الدولة؛ كان منها:

1- أسهمتْ تلك الهِجَر في نشر العلم والمعرفة.

2- قضتْ على البدع والخرافات، ونشر تعاليم الدين الصحيحة.

3- ألّفتْ بين القبائل المتجاورة ووحّدتْ صفها، وأبطلتْ غارات وثارات وعداوات وتناحر قبلي بغيض.

4- حيّدتْ الأمراض المتفشية التي كانت إذا حلّت بقرية أو قبيلة ما فتكت بأهلها.

‏5- مكّنتْ من استتباب الأمن، والسيطرة على تحركات السكان، ومحاسبة المخطئ، وإقامة الحدود على المعتدي منهم.

6- رسَّختْ الشخصية والهوية السعودية التي تنبثق من التزام الفرد بالدين، وتمسكه بعاداته العربية الأصيلة التي تقوده لمكارم الأخلاق؛ ومِن ثمَّ توجّهه - تلك الشخصية - نحو خدمة الدين والوطن.

‏7- مكّنتْ الدولة - بوجود الإنسان في تلك الهِجَر - من مساعدته وتقديم كافة الخدمات الصحية والتعلمية والاجتماعية له، إضافة لمنحه العمل المناسب الذي يكفل له الحياة الكريمة.

‏‏‏وهكذا، وبهذا المشروع قرّر عبدالعزيز تغيير حياة الصحراء عن طريق إقامة البدو في مراكز جديدة تتصف بالاستقرار على أرض خصبة قريبة من الآبار، يتحولون بذلك إلى مزارعين ورعاة للمواشي بدلاً من حياة التجوال والترحال، فيتحقق بذلك ارتباطهم بالأرض، فيقع النفع للعباد والبلاد.‏

‏وما يمكن قوله في ختام هذا المقال؛ أن هُجرة "الأرطاوية" التي تأسّستْ سنة ١٣٢٨هـ/1910م كانت أولى الهِجَر التي تأسستْ في نجد، وقد سكنها بعض بادية قبيلة مطير. وكانت الأرطاوية آنذاك محطة للقوافل، ومنطقة غنية بالمياه. ثم تأسستْ - بعد هُجرة الأرطاوية -‏ هُجرة "الغطغط" في حوالي سنة ١٣٣١هـ/1813م، وكانت تقع في الجنوب الشرقي لمدينة الرياض، وكانت تسكنها قبيلة عُتيبة. وبعد هاتين الهجرتين بدأت القبائل - خصوصًا في نجد - تؤسّس لمثل هذه المستقرات الجديدة؛ فنزلتْ قبيلة العجمان في "عريعرة" و"الدارة"، ونزلتْ قبيلة شمر في "الفيضة" و"الشّقيقة"، ونزلتْ قبيلة قحطان في "الهياثم" بالخرج، ثم‏ أخذ عدد الهِجَر في التزايد حتى بلغت حوالي مائتي هُجرة بُعيد ضم الحجاز، وكانت أغلب تلك الهُجر تقع في منطقة نجد.

‏ ومن ناحية أخرى، فقد كانت تلك الهِجَر بمثابة قواعد عسكرية دائمة موزعة على نواحي شبه الجزيرة العربية، فكان عبدالعزيز يستطيع من خلالها استدعاء المقاتلين من أبنائها متى ما دعت الحاجة إلى ذلك؛ وكان هذا التوزيع لتلك الهِجَر مدروس بإحكام؛ فقد تأسستْ - على سبيل المثال - هِجَر في شمال البلاد بالمنطقة التي تسكنها قبيلتي الرولة وشمر قريبًا من الحدود الأردنية، وهناك هِجَر أُسّست على حافة صحراء الربع الخالي، وأخرى بالقرب من حدود شبه جزيرة قطر، وكان في عسير عدة هِجَر، وكانت هُجرة الهدابية بالحجاز، هذا كلّه إضافة لهِجَر نجد الكثيرة والمتناثرة في ذلك الإقليم.

‏ولعلّي - إن شاء الله تعالى - أجد الفرصة السانحة في مستقبل الأيام للحديث عن مآل تلك الهِجَر، وعن أهم النتائج التي انعكستْ خيرًا على الوطن جرّاء تأسيس تلك الهِجَر.

‏أهم المصادر والمراجع:

- خير الدين الزركلي: شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبدالعزيز.

- موضي بنت منصور آل سعود: الهجر ونتائجها في عصر الملك عبدالعزيز.

- هند بنت حسن القحطاني: إعمار الهِجَر .. آليات إنتاج العمران.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store