مَن ما يزال حيًّا منذ أواخر الخمسينيات من القرن العشرين المنصرم، لا شك يتذكر محطات الإذاعات، وكون الراديو مصدر الأخبار الوحيد في العالم قبل أن يتصدر التلفزيون المجالس في بيوتنا وفي أماكن رزقنا.. ويتذكر برامج القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية من لندن، واستماعنا نشرات الأخبار من الصباح وحتى ساعة متأخرة من الليل ليعلم أخبار وأحداث ما جرى ويجري في بلده، وفي البلدان المجاورة والعالم عامة.
ويتذكر من (راديو مكة) إشراقات المربي الكبير الأستاذ محمد حسين زيدان، و(مسلسلات الباشا) للأستاذ حسين عبدالله سراج.. وأشهرها (غرام ولَّادة مع ابن زيدون).. ومن برامج إذاعة القاهرة، أحاديث الأديب الأستاذ فاروق شوشة في حلقات (لغتنا الجميلة) المميزة التي كانت تشدُ المستمعين للتزود علمًا ومعرفة روائع أدبية نثرًا وشعرًا.. ومن إذاعة القاهرة أيضًا حلقات ساعة لقلبك الترفيهية بطولة جورج سيِدهم وعبدالمنعم مدبولي، ومقابلات الإعلامية آمال فهمي في برنامجها (على الناصية) الذي كان ينقل صدى الشارع ومعاناة المصريين من تردي الأوضاع الاقتصادية.. وحديث الأستاذ محمد حسنين هيكل (بصراحة) كل يوم أربعاء.
وطالما الحديث بالحديث يُذكر، فقد فقدت القناعة بمصداقية بعض ما كان يرويه.. ومن أنه لسان حال الرئيس جمال عبدالناصر خاصة.. ومن ادعاءاته عن لقاءات جمعته مع قادة العديد من دول العالم التي طالما توقف في عواصمها.
أذكر بعدما حطَّ في طوكيو التي كنت على سلك دبلوماسيي سفارتنا فيها، وكان يحمل رسائل من الرئيس جمال عبدالناصر لرؤساء الدول التي يزورها لشرح حال الأوضاع بعد (نكبة 67).. كان ذلك يوم ثلاثاء وفيه التقى هيكل السفراء العرب لدى اليابان على مائدة السفير المصري.. وممَّا ما أسمعنا عتبه على وزارة الخارجية اليابانية التي لم تمكَّنه من تسليم الرسالة التي كان يحملها باليد لرئيس الوزراء، ولا حتى لوزير الخارجية، بل ولا لموظف في قسم الإعلام في الوزارة، لعدم وجود منصب حكومي ياباني مشابه لمنصبه.. لذا هو في العرف الوزاري الياباني لا يعدو كونه حامل رسالة لا غير!
حلَّ يوم الأربعاء، والعرب من المحيط إلى الخليج يترقبون برنامجه (بصراحة).. وهالني ما سمعت! ادَّعى بأنه ما أن وصل طوكيو، ودخل الفندق الذي سيقيم فيه حاملًا رسالة من الرئيس جمال عبدالناصر لرئيس الوزراء الياباني، واتجه إلى ركن الاستعلامات حتى وجد بانتظاره رسالة ترحيب من وزير الخارجية اليابانية يطلب فيها تحديد الموعد المناسب لتسليم الرسالة لرئيس الوزراء! لم يغب وأنا أستمع هيكل بصراحته عن البال عجز بيت للمتنبي: (وَيكونُ أَكذبَ مَا يَكونُ ويُقسمُ)!
وعلى منوال ادِّعاءات (الأستاذ هيكل) كانت صرخات الإعلامي المصري الهجَّاء أحمد سعيد، وهو يصبُّ النار فوق الزيت لتأزيم العلاقات المصرية السعودية حيال موقف قادة البلدين من الصراع اليمني بين شرعيَّة أنصار الإمام البدر، والانقلابيين الذين قادهم عبدالله السلَّال مدعومًا بقوَّات مصريَّة حاربت الإماميِّين، وأودت بحياة الكثيرين من الطرفين.
أمَّا في تغطيته حرب 67، فظهر أحمد سعيد على حقيقته بوقًا مدَّعيًا إسقاط الدفاعات المصرية مئات الطائرات الإسرائيلية، وأن القوات المصرية في طريقها إلى تل أبيب لإزالة إسرائيل من الخريطة.. بينما في واقع الحال، كانت إسرائيل قد دمرت سلاح الطيران المصري بالكامل، وأفنت قوات المشاة في سيناء.. واحتلَّت كامل التراب الفلسطيني مع هضبة الجولان، ودخول الإسرائيليين القدس الشريف، وصلاتهم بجانب حائط البراق داخل المسجد الأقصى المبارك، ثم كامل شبه جزيرة سيناء، وحتى شرق قناة السويس وأجزاء من الضفة الغربية للقناة.. كل ذلك، وصوت الإعلامي أحمد سعيد مستمر في الصراخ، تصاحبه موسيقى ونشيد: (أمجاد يا عرب أمجاد)! وما يزال الصهاينة يحتلون كامل التراب الفلسطيني، ومعظم هضبة الجولان.. كل ذلك، حتى حرر الرئيس أنورالسادات شبه جزيرة سيناء بالكامل، مقابل الاعتراف بدولة الصهاينة، وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها.
وكما أن لكل زمان دولة ورجالا.. حلَّ التلفزيون محل الراديو.. وبعد أن كان في المنزل راديو واحد يجمع الأسرة حوله، أصبح لكل فرد من أفرادها جهاز تلفزيون خاص به، موصول بمئات القنوات الفضائية العربية وأضعافها من القنوات الأجنبية.. وكل منفرد في غرفته، ومنعزل عن الآخرين...! ولله الأمر من قبل ومن بعد.


