Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

يــــــــود (2)

A A
بعض العناصر تُبهرنا بتاريخها واستخداماتها غير المتوقعة.. وحديثنا اليوم عن عنصر «اليود».. ونتذكَّره لأن اسمه يتميَّز بخفة الدم.. وأما شهرته فهي في تطبيقاته، وأشهرها تطهير الجروح، فأكيد سيتذكَّر بعضنا «صبغة اليود» التاريخية.. وهو أيضاً من الضروريات لصحتنا بكميات ضئيلة جداً للنشاط البدني والذهني، وبالذات فيما يتعلق بنشاط الغدة الدرقية المسؤولة عن مجموعة وظائف بدنية ونفسية أساسية.. ويتميَّز اليود بأنه من المواد المتسامية، أي تلك التي يمكن أن تتحول من الحالة الصلبة إلى الغاز بدون أن تنصهر، وتتحول إلى حالة سائلة.. واسم العنصر اللاتيني «أيو دين» معناه «البنفسجي»، وهو لون غاز اليود.. ولكن لهذه النعمة الجميلة بعض التطبيقات التي لا تخطر على البال، ومنها في تاريخ التصوير الفوتوغرافي.. كان المصور المحترف أيام زمان - قبل الكاميرات الرقمية - يتحلَّى بالعديد من مهارات عالم الكيمياء.. والسبب هو أن «تحميض» الصور كان من الفنون والعلوم الدقيقة.. كان يتطلب اختيار كميات السوائل بدقة، وعدم تعرضها للإضاءة، وتقنين توقيت نقعها ثم تنشيفها للخروج بالصور بعد العناء.. ومن السوائل الأساسية في تحميض الصور كان «يوديد الفضة»، وهو عبارة عن مُركَّب تتحد فيه ذرات الفضة واليود لتكوين مادة حساسة للضوء.. كان ييسر بمشيئة الله طبع الصور بدقة على الورق الخاص بالتصوير، وكان من روائع عالم الكيمياء.. ولكن جمال اليود تألَّق في السماء أيضاً، فالمركّب المذكور للتصوير الضوئي له تركيبة سداسية تُشبه جزيئات الماء المثلَّج، وهي من الخصائص المرغوبة في الاستمطار لتيسير «شعبطة» جزيئات الماء على المركّب.. والمقصود هنا هو رش «يوديد الفضة»، أو مواد مشابهة من الطائرات؛ لتكوين نواة تكثيفية للماء لتحفيز سقوط الأمطار بإرادة الله.. وتجرى عمليات الاستمطار حالياً في مناطق مختلفة في الوطن ومنها الرياض، والقصيم، وحائل، وعسير، والطائف، وإن شاء الله تكون خطوة موفقة لزيادة المناطق الخضراء في المملكة.

وهناك المزيد بشأن اليود في السماء، ففي الفضاء أيضاً ظهرت استخدامات جديدة لاستخدامه.. بسبب خصائص عديدة منها: ميزة التسامي المذكورة أعلاه، فقد تم اختيار العنصر كأحد أنواع الوقود للأقمار الصناعية الصغيرة والتي بدأت تنتشر في العديد من الدول.. وهذا ينطبق بالذات على أقمار «النانو» التي يصل وزنها إلى كيلوجرام واحد، وحجمها يُعادل حجم دجاجة «فقيه». وتتطلب هذه الأقمار تعديل مساراتها أثناء حركتها في الفضاء الخارجي، ولذا فهي تحتاج إلى الوقود الفعَّال بكميات قليلة جداً للحركة على ارتفاعات شاهقة وبسرعات عالية جداً.. جدير بالذكر أن عدد الأقمار الصناعية العاملة في الفضاء الآن تبلغ حوالى 5465، ومعظمها من الحجم الصغير الذي يقل عن حجم السيارة الكورولا.

وبعيداً عن عالم الطيران، والفضاء، والطب، نجد أن اليود كانت له قصة جميلة أثناء الاحتلال البريطاني للهند.. حيث وضعت حكومة بريطانيا في عام 1882 ضريبة على الملح في الهند بحجة أنها كانت تُضيف اليود المفيد للصحة.. ولم يكن مبرر الضريبة منطقياً، لأن المصدر للملح واليود كان مياه البحر الهندية، وكان العقاب شديد لمن يُحاول تفادي الضريبة، ويغلي مياه البحر ليُبخرها ويستخدمها كإضافة للطعام.. وهنا قام الزعيم الراحل «غاندي» بمسيرة إلى بلدة «داندي» الساحلية للاعتراض.. يعني «غاندي» راح «داندي» لزعزعة قاعدة الإمبراطورية البريطانية العظمى.. بدأ المسيرة في أبريل 1930 بحوالى ثمانين شخصاً من بلدة «أحمد أباد» في غرب الهند، ووصل بما يزيد عن الخمسين ألف معترض، وتسبَّب في زعزعة النظام فعلاً لأن ملايين المواطنين شاركوا فعلياً في الاعتراض السلمي، واضطرت حكومة الاستعمار البريطاني بعد ذلك لإلغاء ضريبة الملح.. وانتهت حجة اليود.. وبعدها انتهت أيام الإمبراطورية بكبرها.

* أمنيـــــــة:

ما أجمل قصص الكيمياء.. تبحر بنا في عالم الروائع العلمية، والطبية، بل وحتي السياسية.. أتمنى أن نُوفِّر هذه الحكايات ضمن جوهر تقديم العلوم للأجيال الناشئة، وأن نستكشف المزيد من جمالها بتوفيق الله، وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store