شهدت نجران خلال الأسبوع الماضي واقعة مؤسفة، تمثّلت في قيام أحد منظّمي الفعاليات الترفيهية بارتكاب مخالفة عدم الالتزام بالسلوك الاحترافي، والخروج عن الذوق العام، مما أثار حالة واسعة من الاستياء بين المواطنين، تجاوبت معها إمارة المنطقة والهيئة العامة للترفيه بسرعة وفعالية، مما أسفر عن إيقاع عدد من الجزاءات بحق الجهة المخالفة، تضمّنت سحب التصريح، وإيقافها عن ممارسة الأنشطة الترفيهية، وأكدت الهيئة حرصها على تقديم خيارات ترفيهية تتسم بالتنوع والجودة، وتراعي الذوق العام. وقد أثلجت هذه الإجراءات الرادعة صدور مواطني نجران، الذين أشادوا بسرعة التحرك ووقف التجاوزات.
بهذا الموقف القوي، أكدت السلطات المعنية أن السعودية التي قامت منذ توحيدها على ركائز متينة وقواعد راسخة تتمسك بثوابتها الدينية، وتعتز بقيمها المجتمعية العريقة، وستظل تستصحب هذه المبادئ وتحرص عليها، ولن تتنازل عنها لأنها غير قابلة للمساومة أو المزايدة، فالسعوديون عرفوا منذ الأزل بحرصهم على تربية أبنائهم وفق القيم والأخلاق الفاضلة، ولا يرتضون تجاوزها أو القفز عليها، بغض النظر عن الأسباب والدوافع.
ومع ثورة الفضائيات وأجواء الانفتاح التي يشهدها العالم اليوم في عصر العولمة، التي أصبح فيها العالم قرية صغيرة كما يقولون، وبسبب التطور الاقتصادي الكبير الذي تشهده بلادنا، وتزايد عدد المستثمرين والزوار، كان لا بد من توسيع مساحة التواصل والتفاعل مع محيطنا الخارجي، وهو المسار الذي اتخذته بلادنا بالقدر الذي يُحقّق الحاجة، مع ضمان عدم تصادم ذلك أو تضاربه مع الثوابت والقيم.
ومما يثير الإعجاب، أن هذا الانفتاح تم بصورة مدروسة، استصحبت واقعنا المحلي وخصوصيتنا الثقافية والدينية، وطبيعة مجتمعنا، مع تحديد السلبيات ومعالجتها، والحفاظ على الإيجابيات وتعزيزها، فتم وضع الضوابط الواضحة التي تمنع كل أنواع التجاوزات، وإقرار الأنظمة والقوانين واللوائح ضمن النهضة التشريعية التي تشهدها المملكة في العهد الحالي.
من أبرز تلك الضوابط، كانت لائحة الذوق العام، التي تهدف للتصدي لكافة التصرفات الخارجة عن إطار المألوف. وهذه اللائحة لا تتصادم مع مناخ الحريات العامة الذي أقرته المملكة، بل تُعزّزها وتدعمها، لأنها ترسّخ حقوق الإنسان، فهي تحفظ للجميع حقوقهم في التمتع بما كفله لهم الدستور، وأكدته الأنظمة والقوانين، كما رسمت بوضوح الحد الفاصل بين الحرية الشخصية والفوضى.
لكن لأن المتجاوزين يوجدون في كل مكان، ومن اعتادوا التغريد خارج السرب لا يحسنون قراءة الواقع بصورة جيدة، فقد ظن هؤلاء أن مناخ الانفتاح يعني التحلّل من كل القيم والثوابت، فصوّرت لهم أنفسهم أن الفرصة قد جاءتهم، ليُعبّروا عن قناعاتهم التي يرفضها الكثيرون، وظنوا أن بإمكانهم فعل ما يحلو لهم دون رقيب أو خشية، لكن فات عليهم أن المملكة دولة قوانين، تحكمها أنظمة واضحة وتشريعات لا تحتمل سوء الفهم.
نسي هؤلاء أو تناسوا أن بلاد الحرمين الشريفين هي قبلة العالم، ومهوى أفئدة المسلمين في كل أقطار الدنيا، وأن من أبرز خصائصها وملامحها أنها؛ مثلما تساير العالم وتسير في ركب الحضارة الإنسانية التي كانت رائدة لها منذ عهود سحيقة، فإنها في ذات الوقت تتمسك بثوابتها، وتحرص على شخصيتها وهويتها، وترفض التلاشي والذوبان في هويات غيرها من الدول، ولا ترضى لأبنائها أن يكونوا قشَّة في مهب الريح.
تلك هي أبرز ملامح تفرّد بلادنا التي تسعى بكل قوة للتفاعل مع محيطها الإقليمي والعالمي، دون عزلة أو انكفاء، فنحن جزء من هذا العالم الكبير، نؤثر فيه ونتأثر به، وظللنا على الدوام عنصراً بالغ التأثير، ولم نكن مجرد متفرجين، بل كُنَّا وسنظل نُقدِّم للآخرين عصارة فكرنا، وخلاصة إنتاجنا الحضاري، نأخذ منهم ما يتوافق معنا ويخدم مصالحنا، ونترك ما يتصادم مع قناعاتنا ويضر بمكتسباتنا. هذه هي الرسالة التي يجب أن يدركها من لم ينعم الله عليهم بسرعة الاستيعاب.


