Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد بشير كردي

ويدقُّ البابُ

A A
صيف هذا العام 2023 غيرٌ.. صيفٌ ارتفعت فيه درجات الحرارة على تلك التي اعتدناها في السنوات السابقة، فاشتعلت الحرائق في عديد من الغابات والأحراش في العالم، آتية على الأخضر واليابس فيها، وعلى مساحات خضراء كانت تمدُّ من حولها وبالقرب منها والبعيدين عنها بالأمن الغذائي.. وشرَّدت العديد من سكان القرى المجاورة لتلك الغابات والأحراش المشتعلة بالنيران، وملحقة الضرر البيئي بما تنفثه من غازات ضارَّة بصحَّة البشر والحيوان.. ولم تفلح خراطيم سيارات الإطفاء ولا طائراته في كتم أنفاسها.

صاحب تلك الحرائق تصدُّع صفائح أرض بلد المغرب الشقيق، واهتزازات مدمِّرة فوق سطح الأرض، كأنها تعبر عن ضيقها من ثقل حملها، فانتفضت غاضبة، وقضت على حياة كثير ممن كان فوق تربتها من مخلوقات.. وأتت على قرى ومبانٍ وبنية تحتيَّة ومرافق عامَّة.. وفي زمن الضائقة المادية لكلِّ هؤلاء، فليس بعيدًا أن يرزح من نجا من موتٍ أن يعيش الفاقة والحرمان لأمدٍ غير منظور.

وفي ليبيا، بلد شيخ المجاهدين عمر المختار، هطلت على سواحلها أمطار غزيرة أودت بالسدود المتهالكة للانهيار لقدمها، وقذف ما اختزنته من ماء باتجاه البحر آخذة معها كل ما ومن اعترض مجراها من بشرٍ ومبانٍ مأهولة بالسكَّان وطرق وأسواق ومراكز تجاريَّة ومكاتب حكوميَّة، وكلَّ ما له صلة بالبنية التحتيَّة ليستقر كلُّ ذلك في قاع البحر!

اللهمَّ لا اعتراض على قضائك وقدرك، فهي سنَّة الكون، والأرض تستبدل سكَّانها من بشر وحيوان كلَّ مئة سنةً بآخرين جددٍ.. سُنَّة الله في خلقه، (ولن تجد لسنَّة الله تبديلًا).

في الوقت ذاته، تتَّجه أصابع الاتِّهام لكل ما حَّل بالعالم، وما يزال من نكبات ومصائب إلى القوى الاستعماريَّة التي تتصارع فيما بينها لنهب ثروات الشعوب المسالمة في حروب بالوكالة.. يستأجرون لإشعالها عصابات مسلَّحة، أفرادها من مختلف الجنسيًّات والأعراق... همُهم كنز المال، وتقاسم الثروات المنهوبة فيما بينهم وبين القرى الاستعماريَّة.. وهذا ما يتجلَّى علانيةً وجهارًا في القارَة الأفريقيَّة التي استعمر الغرب بلدانها مئات السنين، ويتوعَّد كلَّ شعب بسفك دماء أبنائه رخيصةً إن طالبوا بحرَّيتهم.. وليس أدلُّ على ذلك مما جرى للجزائر؛ بلد المليون شهيد.. واليوم في القارَّة السمراء.

ولا يغيبنَّ عن البال: (لكلِّ ظالم نهاية).. وما أصدق ما قال طيِب الذكر أبو القاسم الشابي: (إذا الشعب يومًا أراد الحياة، فلا بُدَ أن يستجيب القدر).. ومعها يتجلَّى أمير الشعراء؛ أحمد شوقي، والأحرار تردِّد: (وللحريَّةِ الحمراءِ بابٌ بكلِّ يدٍ مضرَجةٍ يُدقُّ.. فها هم أبناء فلسطين يدقُّون الباب).

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store