هي القدرة الطاغية التي تمارسها المخلوقات بأشكالها وأحجامها المختلفة. ونجدُ الكثير من الأمثلة على أقوى ممارساتها في عالم الحشرات، حيث تنتشر القسوة وأقسى درجات العنف. تأمَّل فيما تقوم به بعض أنواع الزنابير، عندما تهجم على فريستها من اليرقات، تقوم بشقِّ لحم فريستها، وتضع بيضها بداخلها، ثمَّ تحقن بعض السوائل التي تُسبِّب حالة شللٍ في الفريسة الغلبانة، والسبب في تلك العمليَّة المؤذية هو ضمان توفُّر اللحم الطازج لصغار الزنابير عندما يفقس البيض بداخل الضحايا.. فضلًا، لاحظ أنَّ الفريسة ستدرك أنَّها تُؤكل من الداخل، بدون أنْ تقاوم جبروت الاستغلال من كبار وصغار الزنابير. وإنْ انتقلنا من عالم الحشرات إلى عالم الحيوان، سنجد العديد من الأمثلة على الجبروت، وإحدى تلك الأمثلة هي ما تمارسه الضباع من افتراس وحشي لصغار الحيوانات، غير القادرة على الدفاع عن أنفسها، ولكن قبل أنْ نحسب أنَّ الجبروت ينطبق على حكم الكبير القوي على الضعيف الصغير، نجد أنَّ هناك طفيليَّات متناهية الصغر، تُهيمن على كائنات أكبر منها بملايين المرَّات، فتسلبها إرادتها، وتقودها إلى الانتحار. وكمثال على ذلك نجد طفيلي «بلازموديوم» المسبِّب لداء الملاريا، يعيش بداخل جسم البعوضة، وعندما يكون جاهزًا للانتقال لداخل جسم الإنسان، يبدأ بالتحكُّم بسلوكيَّات البعوضة لتصبح أكثر شجاعة. والهدف هنا هو تعزيز فرص نقلها إلى داخل البشر، عن طريق ما تمارسه البعوضة من مصِّ الدماء، حتَّى وإنْ تسبَّبت تلك الشجاعة في موت البعوضة، فيكون المخلوق الطفيلي قد انتقل إلى داخل الجسم البشري. والأمثلة من عالم الحيوان كثيرة، وغريبة، ومرعبة، ولكن مهما وصفنا من سلوكيَّات الجبروت والقسوة في عالم الحيوان، لن نجد ما ينافس بعض ما نشهد اليوم من سلوكيَّات بعض البشر.
يستخدم سلاح الجو الإسرائيلي «خيل هاف إير» أسلحة دمار لم تُصمَّم لضرب المدنيين، وفي مقدِّمتها قنبلة عملاقة لدكِّ البشر والحجر، ضمن عمليَّة «السيوف الحديديَّة» الإسرائيليَّة للهجوم على مدينة غزَّة الباسلة. القنبلة اسمها GBU 28 (Guided Bomb Unit) ومعناها «وحدة القنبلة الموجَّهة»، ويمكن وصفها بأنَّها «دبَّة» القنابل. فهي من الأكبر حجمًا ضمن السلاح الإسرائيلي، إذ يبلغ وزنها حوالى 2268 كيلوجرامًا، وطولها يساوي تقريبًا ستة أمتار، يعني تفوق حجم سيارة «التويوتا لاند كروزر»، وقوة المتفجِّرات بداخلها تكفي لتدمير ألفي سيارة «كامري».. وتحتاج إلى طائرة ضخمة لاستخدامها، وهي مقاتلة الـ»إف 15» من سرب «الشواكيش».. وتُوجَّه عادةً بالليزر، ولكنَّها في الغالب لم تَحْتَجْ للدقَّة العالية أثناء العمليَّات الوحشيَّة خلال الأيام الماضية؛ لأنَّها استُخدمت للقصف الكاسح المكثَّف الذي يهدف إلى دمار مناطق بأكملها، علمًا بأنَّها استُخدمت ضدَّ غزَّة مُسبقًا في عمليَّة «حماة الجدران» في مايو 2021. يعني مدينة غزَّة تُعتبر من أوائل حقول التجارب لهذه القنبلة الهائلة، التي لم تُصمَّم للاستخدام ضدَّ الأطفال، والنساء، وكبار السن، والمباني السكنيَّة. وربَّما يمثل ذلك أحد أفضل التعريفات لمصطلح الجبروت.
* أمنيـــــــة:
أحد المصطلحات الغريبة التي تتداول خلال الحروب هي «الأضرار الجانبيَّة» Collateral Damage ، ولا أعتقدُ أنَّ تعريفها واضحٌ، ولكنَّه يُستخدم «يعني يعني» أنَّ الأبرياء لهم مكانة في العمليَّات العسكريَّة.. وما يشهد العالم اليوم في دمار غزَّة، يقلب المفهوم تمامًا، فأصبح الضرر الأساس هو المدنيين الأبرياء، وما هو دون ذلك يدخل في تعريف «الأضرار الجانبيَّة».. أتمنَّى أنْ تتوقَّف أعمال الجبروت ضد المدنيين في غزَّة العزيزة، وفي كلِّ مكان -بإرادة الله- وهو من وراء القصد.


