Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.ساري بن محمد الزهراني

ماذا بقي للمؤرخين في العصر الحديث؟

سديم

A A
واجهني أحدُ الأصدقاء المهتمِّين بعلم التَّأريخ، وخصوصًا تأريخ الرِّجال والعظماء بسؤال قال فيه: تُرى ماذا بقي للمؤرِّخين ليقومَ بالتَّروخة = كتابة التَّأريخ، بعدما أتت به وسائل الإعلام الحديثة صوتًا وصورةً، سواء في تأريخ الدول والأمم، أو تاريخ الأفراد من أصحاب العظمة والسلطة؟ وهو سؤال وجيه، وصحيح في طرحه.

إنَّ أغلب المؤرِّخين يعتمدُون على ذكر الأحداث، وإيراد الوقائع التي حدثت باتِّباع سنن مَن كان قبلهم في منهجيَّة قارَّة، دون الخوض في تحليل تلك الأخبار والوقائع في الغالب، وربَّما يقع بعض المؤرِّخين في أخطاء تأريخيَّة بالاعتماد على مصادر لا يصحُّ التَّعويل عليها، والاتِّكاء على ما تقول به. ولعلَّ مَن يقرأ بعض كتب التأريخ يجدْ أمثلةً كثيرةً يختلط فيها الصحيح بالباطل، والواقع بالمُختلق، والحقيقة بالخرافة.

ولعلِّي لا أبالغُ إذا قلتُ إنَّ أسلمَ منهج في الوقت الحاضر لمعالجة وقائع التَّأريخ وحوادثه و»شخصيَّاته» على وجهِ أدقٍّ، هو اتِّخاذ المنهج الذي سار عليه النَّاقد الكبير عباس محمود العقَّاد، حال معالجته لِسيَر بعض العظماء وتحليل مَلَكَاتهم، ما دامت الحوادث حاضرة بالصوت والصورة في واقعنا اليوم.

وهذا المنهج يمكن تلمُّسه بشكل أكثر جلاءً في معالجة العقَّاد لسيرة أبي بكر الصدِّيق -رضي الله عنه-، يقول العقَّاد: «إنَّني لا أكتبُ ترجمة للصدِّيق -رضي الله عنه- ولا أكتبُ تاريخًا لخلافته وحوادث عصره، ولا أعني بالوقائع من حيث هي وقائع، ولا بالأخبار من حيث هي أخبار، فهذه موضوعات لم أقصدها.. ولكنَّما قصدتُ أنْ أرسم للصدِّيق صورة نفسيَّة تعرِّفنا به وتجلو لنا خلائقه وبواعث أعماله، كما تجلو الصورة ملامح مَن تراه بالعين، فلا تعنينا الوقائع والأخبار إلَّا بمقدار ما تؤدِّي أداءها في هذا المقصد.. وهي قد تكبر أو تصغر، فلا يهمُّنا منها الكبر أو الصغر إلَّا بذلك المقدار، ولعلَّ حادثًا صغيرًا يستحقُّ منَّا التقديم على أكبر الحوادث، إذا كان فيه دلالة نفسيَّة أكبر من دلالته، ولمحة مصوَّرة أظهر من لمحته».

إنَّ هذا المنهج الذي سار عليه العقَّاد لدراسة الصدِّيق، هو المنهج -في اعتقادي- الأسلم والأنجع والأوجب ممَّا كان في الأزمان الغابرة؛ لأنَّ الأسباب التي تغض من وقار للعظمة -كما يقول العقَّاد- لم تزل تتكاثر منذ القرن الثامن عشر إلى الآن.. وإنَّ الإنسانيَّة لا تعرف حقًّا من الحقوق إنْ لم تعرف حقَّ عظمائها، وإنَّ الإنسانيَّة كلها ليست بشيء إنْ كانت العظمة الإنسانيَّة في قديمها أو حديثها ليست بشيء.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store
كاميرا المدينة