Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. صالح عبدالعزيز الكريّم

لماذا ينتحرُ شبابُ طوكيو وسيول؟!

A A
الصحفيُّ السعوديُّ الدكتور محمد الغروي، متخصِّصٌ في الشأن الآسيويِّ، وبالذَّات الشرقي منه (شرق آسيا)، له كتاب بعنوان: «آسيان والمستقبل»، تحدَّث فيه عن التحدِّيات والفرص المشتركة في ظلِّ السياسات المتغيِّرة لبعض تلك الدُّول، وهو متمكِّن في هذا المجال؛ كونه أوَّلًا عاش هناك سنواتٍ عديدةً، وثانيًا كون تخصُّصه في شهادة الدكتوراة كان في الإعلام عن شرق آسيا؛ ممَّا أهَّله أنْ يكون مرجعًا في شؤون شرق آسيا، وله مقالات في ذات الشَّأن في بعض الصُّحف والمجلَّات السعوديَّة والعربيَّة، فآخر ما قرأتُ له من تلك المقالات، ما كتبه عن تزايد معدَّلات الانتحار في كلٍّ من طوكيو وسيول، وهو موضوع لافتٌ للنَّظر فيما يخصُّ الشَّباب في كلٍّ من اليابان وكوريا الجنوبيَّة؛ لأنَّ الظَّاهرة أخذت تزداد زيادةً مضطردة عندهم، وتحديدًا زيادتها وتناميها ما بين عمري 20 و34 سنةً؛ لدرجة أنَّ حكومة كوريا الجنوبيَّة أعلنت عن خطَّة تقضي بإلزاميَّة فحص الصحَّة العقليَّة لمواطنيها الشَّباب في تلك السنِّ العمريَّة كل عامين؛ بهدف خفض معدَّلات الانتحار المرتفعة بين الشَّباب، والرَّصد الإحصائي الذي ذكره الدكتور يُعدُّ حقًّا مؤشِّرًا خطيرًا جدًّا، حيث إنَّ النسبة تزايدت بما يتجاوز 200 في المئة في كوريا، في مقابل ذلك، فإنَّ الرَّصد للانتحار في اليابان يُعدُّ السَّبب الأوَّل لوفاة الرِّجال من عمر 20 إلى 44 سنةً، والنِّساء من عمر 15 إلى 34 سنةً.. فلماذا الانتحار؟ وما أسبابُ زيادته في تلك المجتمعات؟.

سؤالٌ جديرٌ بالاهتمام، والإجابة عنه ليست سهلةً كما يظنُّ البعض، لا شكَّ أنَّ الدَّولتين من الدول المتقدمة جدًّا، لكنَّهما يواجهان أزمةً ومعضلةً تؤثِّر في حياة النَّاس عندهم اجتماعيًّا واقتصاديًّا، وهي الانتحار.. فإزهاق الرُّوح طواعيةً له أسبابه ومسبباته بلا شكٍّ، فهل ذلك يعود إلى المشكلات الصحيَّة وبالذَّات العقليَّة؟، أم يعود إلى المشكلات الاجتماعيَّة، وبالذَّات العائليَّة؟، أم أنَّ العوز المالي هو السبب، وبالذَّات المتطلَّبات الحياتيَّة؟ تلك الأمور من الأسباب والمسبِّبات هي التي تتمحور عليها دول شرق آسيا، دراسةً وبحثًا، وبالأخص اليابان وكوريا الجنوبيَّة، التي تتزايد نسبة الانتحار فيهما، ومع ما ذُكر من أسباب ماديَّة ومسبِّبات نفسيَّة أو اجتماعيَّة للإقدام على الانتحار، وأنَّها خلف تزايده، يظل هناك سببٌ جوهريٌّ خلف ذلك، ألا وهو عدم الإجابة عن الأسئلة المحيِّرة التي تدورُ في أذهان أولئك الشَّباب والشَّابات عن الكون والحياة؟، وما هو الهدف من وجودهم في هذه الحياة؟، ومادام أنَّه مخلوق، فمَن خلقه؟، مهما أوتي الإنسان من إجابات بعيدة عن الإقناع، يظلُّ هناك فراغٌ عقليٌّ وقلبيٌّ وروحيٌّ يُلاحقه، ويحتاج مَن يملأه بإجابات تريحه، وتثلج صدره بعيدًا عن «متلازمة الإلحاد»، والخرافات العَقَديَّة التي ترفضها الفطرة(!!)، ولا يتحقَّق ذلك إلَّا بالإيمان، وتغذية العقل والقلب والرُّوح به، من خلال ربطه بخالق الكون، ومعرفته والإيمان به، وأنَّ الإيواء إليه يمنح النَّفس الارتياح والتجمُّل بالصَّبر في كلِّ ما يُواجهه من خوفٍ وقلقٍ واكتئابٍ، خاصَّةً أنَّ الدِّراسة ذكرت أنَّ أحد الأسباب الرئيسة للانتحار، هو الوصول بالشَّباب والشَّابات إلى حالات من الخوف والقلق والاكتئاب الذي يُواجَه بالعلاج الماديِّ فقط، بينما هو يفتقر إلى العلاج الروحيِّ والقلبيِّ والعقليِّ، والحقيقة الأُخْرَى أنَّ الأذى الذي يُحدثه مَن ينتحر بعد انتحاره، يصل إلى ذويه وأقاربه وجيرانه كطاقاتٍ سلبيَّةٍ؛ ممَّا يزيد من حالات الاكتئاب عندهم، وبالتَّالي مزيدًا من حالات الانتحار في المجتمع.

إنَّ علينا أنْ نحمدَ اللهَ على ما أكرمنا من إيمان به وبدينه ورسوله -صلى اللهُ عليه وسلم-، وأنَّ الإسلام أكبر نعمة مَنَّ اللهُ بها علينا، (وَكَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبِل فَمَنَّ اللهُ عَلَيكُمْ)، ولعلَّ فيما تؤول إليه مثلُ تلك المجتمعات -خاصةً الشباب- من انتحار وضياع، عبرةً وعظةً لمن يبتغي سبيلًا غير سبيلِ المؤمنين، ممن ينادي بالإلحادِ بين الشباب والشابات، ويدعو إليه ويحرض صغار السنِّ للاقتناع بذلك؛ مما يقودهم مستقبلًا إلى الضياع في الحياة، ومن ثمَّ الانتحار، فالحمد لله على الإيمان وطاعة الرحمن.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store