Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. سهيلة زين العابدين حماد

نظرة اليهود.. إلى غير اليهود!

A A
ما أثارته جنوبُ إفريقيا في دعوَاها ضدَّ إسرائيل، بتُهمة إقدامها على الإبادة الجماعيَّة لفلسطينيِّي غزَّة، بما قامت به على أرض الواقع، ومن خلال تصريحات الحكومة الإسرائيليَّة عن إبادتهم، تارةً بقنبلةٍ ذريَّةٍ، أو تهجيرهم قسريًّا إلى سيناء، ومنع الطَّعام، والماء، والعلاج، والطَّاقة عنهم، ونعتهم بحيواناتٍ بشريَّةٍ، وغير ذلك من التَّصريحات التي تنمُّ عن عنصريَّتِهم، وشعورهم بالفَوقيَّة على أجناس البشر، فهذه نظرتهم التي تُمثِّل عقيدتهم التلموديَّة والتوراتيَّة المُحرَّفة التي تربُّوا عليها.

ولتتَّضح هذه النَّظرة، علينا العودةُ لمقالة المفكِّر اليهوديِّ «إسرائيل شاحاك» بكتابِهِ: «الدِّيانة اليهوديَّة وتاريخ اليهود»، الذي كتبَهُ بعد قراءته للتلمود: «إنَّ المعتقدات اليهوديَّة هي التي تحرِّك السِّياسات في إسرائيل»، وقال: «إنَّ المتديِّنين يؤمنُونَ بالتوسُّع الإقليميِّ ويطلقُونَ عليها الحدود التوراتيَّة، وغير المتديِّنين يطلقُون عليها الحدود التاريخيَّة، أو حدود الحقِّ التاريخيِّ».

فهذه الحقيقة تكشفُ لنا أنَّ نظرة اليهود إلى غيرهم، الذين يُطلقُون عليهم «الأغيار»، أو «الأمميِّين»، هي نظرةٌ قائمةٌ على العنصريَّة، إذ يعتبر اليهود غيرهم من الشُّعوب دونهم منزلةً، وأنَّ اليهودَ هم شعبُ اللهِ المُختارُ.

ويصوغُ يهودا إبادة الأمميِّين المشركين الكفرة، الجنتايل، وتحريم مدنهم، بمعنى تدميرها تدميرًا كاملًا، وإحراق مواشيهم، وسبي نسائهم وأطفالهم. وقد تُعين الموسويِّين على التَّحريم، وليس على البناء، ولم يبنِ اليهودُ مدينةً أو دولةً، ويحرِّم الموسويُّون مال وعقار ومدن مَن عداهم، إشفاءً لضغينةٍ موسويَّةٍ قائمةٍ تتطلَّب القصاص بلا هوادة، ولا تتورَّع عن استخدام القوَّة الغاشمة، وتصوِّغ استخدامها مثلما تفعلُ إسرائيل. وادَّعُوا أنَّهم الزَّرعُ المقدَّسُ الذي اختلطَ بشعوبِ الأرضِ.

وانطلاقًا من هذه النَّظرة، أباحوا لأنفسهم تحريف التَّوراة؛ لتُوافِق نصوصُهَا مزاعمَهُم، وكذلك حرَّفوا الإنجيلَ، محوِّلين المسيحيَّة من دينٍ خاصٍّ لبنى إسرائيل، لديانةٍ عالميَّةٍ يناهضُونَ بها الإسلامَ، الذي سيكون دينًا عالميًّا، وخاتمًا للأديان، ونبيُّه عربيٌّ، والذي بُشِّر به في التَّوراة، فحرَّفوها، وأخفُوا هذه البشارة، وناهض اليهودُ الإسلامَ منذ ظهوره، ولعلَّ مواقفهم مع الرَّسولِ في المدينة؛ خيرُ دليلٍ على عدائهم للإسلام، وحقدهم على نبيِّه، فهم لا يقرُّون إلَّا بنبوةِ بنى إسرائيل.

وما أنْ زالَ الصدوقيُّون بعد تشتُّت اليهود عام 70م، على يد تيتس الرُّوماني، وورث رجالُ الدِّين تقاليد الفُرسيِّين ورواياتهم قبل جميع اليهود المتمسِّكين بدينهم، الشَّريعة الشفويَّة، وآمنوا بأنَّها أوامر من عند الله، وأضافوها إلى أسفار موسى الخمسة، فتكوَّنت من هذه وتلك «التوراة أو الشَّريعة الموسويَّة» التي استمسك بها اليهود وعاشُوا بمقتضاها، فكانت هي قوام حياتهم.

وإنَّ القصَّة التي تروي تلك العمليَّة الطويلة التي استغرقت ألف عام؛ لَمِن أكثر القصص تعقيدًا، أو أكثرها إثارةً للدَّهشة في التَّاريخ، حيث تجمَّعت خلال الألف عام الشَّريعة الشفويَّة، واتَّخذت فيها صورتها النهائيَّة المعروفة بالمشنا، والقرون الثَّمانية التي تجمَّعت فيها ثمارُ الجمارتين، والأحكام والإيضاح، فكانت هي الجمارتين، أو شروح المشنا، وانضمام المشنا إلى أقصر هاتين الجمارتين ليتألَّف منهما التلمودُ الفلسطينيُّ، وإلى أطولهم ليتألَّف منهما التلمودُ البابليُّ.

هذا بالنصِّ ما قاله ول ديورانت عن منشئ التِّلمود في الجزء الثَّالث من المجلد الرَّابع لقصة الحضارة، والذي خُصِّص لعصر الإيمان. ويقول: «كان يهودُ ألمانيا وفرنسا في العصور الوسطى يدرسُونَ التلمودَ أكثر ممَّا يدرسُونَ الكتابَ المقدَّس نفسَهُ».

وما يسعى إليه اليهود هو خراب العالم، وفق تعاليم تلمودهم، ليقيموا فوق أنقاضه مملكتهم الوهمية، وهم ينشرون في سبيل هذا الوهم خرافات، بلغوا معها مدى؛ توهموا فيه أن اليهود من نطفة تختلف عن باقي النطف، فمن تعاليم تلمودهم: «إن نطفة غير اليهودي كنطفة باقي الحيوانات».. وهذا يفسر مقولة وزير الدفاع الإسرائيلي عند إعلان الحرب على غزة: «نحن نحارب حيوانات بشرية»..ويقول التلمود: «النُّطفة المخلوقُ منها باقي الشُّعوب هي نطفة الحصانِ، واليهود -كما يتوهَّمُون- يعتقدُونَ أنَّ أرواحَهُم متميِّزة عن باقي الأرواح، فيقول التلمود: «النَّعيم مأوى أرواح اليهود، ولا يدخل الجنَّة إلاَّ اليهودُ.. أمَّا الجحيمُ فمأوى الكفَّار مهما اختلفت دياناتُهم».

بهذه النَّظرة المتعالية، يريدُ اليهودُ أنْ يحكمُوا العالم، وهذا التَّعالي لا يقتصرُ على التلمود، فالتوراةُ المحرَّفة قائمةٌ على ذاتِ النَّظرة.

وهكذا يتأكَّد لنا أنَّ ما قامت به إسرائيلُ من مذابح بفلسطين على مدى ما يقارب القرن، وما قامت به حاليًّا من مذابح، وإبادة جماعيَّة للغزَّاويِّين؛ من صميم معتقدات اليهود، التي صنعُوها بأيديِهم وقدَّسُوها، فعلى أيِّ أساس ستنفي إسرائيلُ الحقائقَ والوقائعَ التي قدَّمتها جنوبُ إفريقيا في دعوَاها لمحكمة العدل الدوليَّة؟!.

وممَّا يجدرُ ذكره أنَّ ردَّ إسرائيل على دعوَى جنوب إفريقيا جاء هزيلًا؛ حيث حرصَ ممثِّلُ الفريق القانونيِّ لإسرائيل؛ بناء دعوَاه على الآتي:

1- إثارة عاطفة المحكمة بذكره للهولوكست؛ لربطها بأحداث 7 أكتوبر، وكرَّر دعوَى إسرائيل الباطلة على قيام «القسَّام» باغتصاب بعض الفتيات دون أدلَّة، واكتفى بأنَّ أحدهم قال ذلك.

2- نفي كون غزَّة محتلَّة لتُعطي لنفسها حقَّ الدِّفاع عن نفسها، مع أنَّ إسرائيل حاصرتها منذُ عام 2007، وهي التي تتحكَّم في وصول الغذاء، والماء، والطَّاقة إليها.

3- التَّشكيك في مصداقيَّة ونزاهة جنوب إفريقيا، باتِّهامها بأنَّ لها علاقة بـ»حماس»، دونما دليل على ذلك.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store