Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

عقلاء الأسرة وصلة الرحم

A A
يلعب الشَّيطان دورًا أساسًا ومحوريًّا في الفتنة والتَّحريش بين النَّاس؛ لتحدث بسببه لعنة الله البغضاء والشحناء، ‏والكُره والحقد، وتقع القطيعة بين أفراد الأسرة، والجيران، وزملاء العمل، والاصدقاء، فتظهر النِّزاعات والخُصومات، فعن الصحابيِّ جابر بن عبدالله -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- ‏يقول: (إِنَّ الشَّيطانَ قدْ أَيِسَ أنّْ يعبدَهُ المصلُّونَ في جزيرةِ العربِ، ولكنَّ في التَّحريش بينهم). رواه مسلم.

‏وهذا ما نشاهده اليومَ من قطعٍ لصِلَةِ الرَّحم بين ذوي الرَّحم! فنشاهد الأخَ يقاطعً أخاهُ أو أختَهُ! وكذلك العمَّ ‏والعمَّة والخالَ والخالةَ! وغيرهم من الأقارب بجميع درجاتهم وبكلِّ أسفٍ.‏

ولخطورة قطعها، وأهميَّة وصلها، فقد نهانا ديننا الإسلاميُّ الحنيفُ عن قطيعة الرَّحم، وبيَّن عقوبة قاطع الرَّحم كما ‏قال سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ‏أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ).‏

وورد النَّهيُ عن التَّقصير في صِلَةِ الرَّحم في السُّنَّة النبويَّة المطهَّرة، فعن أمِّ المؤمنين عائشة -رضي اللهُ عنها- أنَّها قالت: قالَ ‏رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (الرَّحمُ مُعَلَّقةٌ بِالعَرْشِ تَقُولُ: مَن وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، ومَن قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ) رواه البخاري ‏ومسلم.

بل إنَّ قاطع الرَّحم مهدَّدٌ بعدم دخول الجنَّة -غايتنا جميعًا- كما جاء في الحديث الذي رواه الصَّحابيُّ جُبَيْرِ بنِ ‏مُطْعِمٍ: أَنَّ رسولَ الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قَالَ: (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ) قَالَ سفيانُ في روايته: يَعْني: (قاطِع ‏رَحِم). متَّفقٌ عَلَيهِ.‏

فإذا حدثت الشَّحناء والبغضاء، ووقعت القطيعةُ بين الأرحام، فعلى عقلاء الأُسرة، المُسارعة بردمِ هذه الفجوة، ‏ورأب الصَّدع، بتدخُّل سريع، لا تترك الأوضاع تتراكم؛ ممَّا قد يسبِّب اتَّساع القطيعة؛ لتشمل بعض المقرَّبين من ‏الطَّرفين لتصبح أكثر من قطيعة!‏

ولكيلا يتَّسع البَينُ بينَ الأقاربِ؛ فعلى حكماءِ العائلة القيام بدورهم على أكمل وجه في إصلاح ذات البَينِ ‏وعدم الاكتفاء بمشاهدة المشهد دون حِراك، من خلال التَّعرُّف على الأسباب التي سبَّبت مشكلة القطيعة، ‏والعمل على حلِّها وفق طريقة حواريَّة مُنضبطة يتجلَّى فيها أدبُ الحوارِ.

والمعروف لدى الجميع أنَّ معظم المُشكلات الاجتماعيَّة التي تؤدِّي إلى قطيعة صِلَةِ الرَّحم غالبًا تكون أسبابُها ‏بسيطةً وتافهةً، والتي حينما تُوضع على طاولة الحوارِ ستتبخَّر؛ لكونها لا تعدُو مجرَّد كلامٍ أُسيء فهمُه، أو نميمة نقلَها واشٍ أو ‏واشيةٍ بدوافع غير نبيلةٍ! أو بعض المُنغِّصات من هنا وهناك، قد تذهب مع أوَّل جلسة حواريَّة، تعود بعدها ‏صِلَةُ الرَّحم مملوءةً بالمحبَّةِ والمودَّةِ والسَّعادةِ.‏ فالحوارُ هو بوابةُ المُتخاصِمين التي من خلالها تُحلُّ مشكلاتهم الاجتماعيَّة، وتعودُ أواصر صِلاتهم العائليَّة الأخويَّة ‏أقوى، يتنعَّمُون فيها بحياةٍ سعيدةٍ، صافيةِ النَّفسِ، خاليةِ البالِ، مليئةٍ بالسَّلامِ الداخليِّ الجميل.‏

وقد حثَّ دينُنَا الإسلاميُّ الحنيفُ على إصلاح ذات البَين، ورغَّب بها، يقول الله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ ‏نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ ‏أَجْرًا عَظِيمًا). ‏

وعن أبي الدَّرداء -رضي اللهُ عنه- أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: (أَلَا أُخْبِرَكُمْ بِأَفْضِل مِن درجةِ الصِّيامِ وَالصَّلاةِ والصَّدقةِ، قالُوا: بَلَى. ‏قال: صَلاحُ ذَات البَينِ، فإنَّ فسادَ ذاتِ البَين هِي الحَالِقةُ) وفي رواية: (لَا أقولُ تحلِقُ الشَّعرَ، وَلكنْ تحلِقً ‏الدِّينَ) رواه الترمذي.‏ وعلى أهل الحكمة من الوجهاء والكبار والعقلاء في العائلة، أو حتَّى القبيلة استشعار دورهم الكبير والهام في ‏إصلاح وتصحيح العلاقات الأُسريَّة، والعمل بكلِّ جهد وإخلاص لردم الفجوة، حتَّى ترجع المياهُ إلى مجاريها ‏الطبيعيَّة، وتعمَّ المحبَّةُ والمودَّةُ بين كافَّة أفراد الأُسرة، لنجني أسرةً مطمئنةً سعيدةً، تقوم على المحبَّةِ والمودَّةِ بقلوبٍ ‏صافيةٍ، وأفئدةٍ نقيَّةٍ لا تحمل سوى السَّلام والوِئام.‏

د. حميد الأحمدي

@HAIhalmAdi

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store