Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
حليمة مظفر

"جيوسياسية" البحر الأحمر..!

A A
قلقُ المملكةِ -في بيانِها الصَّادر في 12 من يناير الجاري، وهي تتابعُ ما يجري من العمليَّات العسكريَّة التي تشهدُهَا منطقةُ البحر الأحمر، والغارات الجويَّة التي تعرَّضت لها عددٌ من المواقع في الجمهوريَّة اليمنيَّة؛ ليس قلقًا؛ لأنَّها كُبْرَى الدُّول المطلَّة مساحةً على ساحل البحر الأحمر؛ بل كان بيانُهَا واضحًا في إبداء قلقِهَا تأكيدًا لـ"أهميَّة المحافظة على أمنِ واستقرارِ منطقةِ البحر الأحمر، التي تُعدُّ حريَّة المِلاحة فيها مطلبًا دوليًّا؛ لمساسِهَا بمصالحِ العالمِ أجمع" وليس فقط لمصالحِهَا الأمنيَّة والبحريَّة، ولهذا دعت إلى أهميَّة ضبط النَّفس من جميع الأطراف.

إنَّ أهميَّة البحر الأحمر تأتي بالمقام الأوَّل في كونه عصبَ التِّجارة العالميَّة، فهو ممرٌّ مختصرٌ هامٌّ للمِلاحةِ البحريَّةِ، يربط بينَ القارَّات، خاصَّةً بين شرقِ آسيا وأوروبا وإفريقيا، ومنها إلى جميع الدُّول في أنحاء العالم، من خلال قناة السويس في جمهوريَّة مصر العربيَّة الشقيقة، والتي تُعتبر شريانًا اقتصاديًّا مهمًّا لدخلها القوميِّ، حيث تعبرُ منها وإليها سفنُ الحاويات للبضائع والنفط والغاز، وهذه الأزمة تؤدِّي إلى تضرُّر اقتصادِهَا، وبالتَّالي تفاقم أزماتها الاقتصاديَّة الحاليَّة؛ نتيجة تحوُّل السُّفن إلى رأس الرَّجاء الصَّالح، وتوقُّفها عن المرورِ عبر قناتِهَا، الأمرُ الذي يُخشَى منه أنْ يصلَ هذَا الضَّررُ الاقتصاديُّ لدولةٍ بحجمِ مصر الشقيقة، واحتياجاتها القوميَّة إلى جعلها ترضخُ في نهاية المطاف للمطالبات الدوليَّة بفتح سيناء للاجئِين المدنيِّين في غزَّة، حيث الضَّمانات الدوليَّة التي تمَّ تقديمها لهَا بسدادِ ديونِهَا، وغير ذلك مقابل سيناء! ممَّا يعنِي ضياع الأرضِ الفلسطينيَّةِ للأبدِ، إذَا ما باتتْ غزَّة في قبضةِ إسرائيلَ، وتمَّ تهجيرُ أهلِهَا إلى الدُّول العربيَّة!

ليس هذا فقطْ، فالعالمُ ليس إلَّا قريةً صغيرةً، وكلُّ مَن يسكنُ هذه القريةَ ستمسُّهُ التَّأثيرات السلبيَّة لما يجري من أحداثٍ تُهدِّد أمن وحريَّة المِلاحة البحريَّة في البحر الأحمر، فالتَّهديداتُ التي تتعرَّض لها بعضُ سُفن الشَّحن، وتُفرح بعضَ العربِ كردَّةِ فعلٍ عاطفيَّةٍ ضدَّ إسرائيلَ وجرائمِهَا البشعة على غزَّة؛ ستمسُّهم حين تؤدِّي هذه الأزمة إلى زيادة تضخُّم الأسعار التي يعيشُها العالمُ حاليًّا، فمعظمُ شركاتِ الشَّحن العالميَّة غيَّرت مسارَهَا ببضائعِهَا إلى رأس الرَّجاء الصَّالح، ممَّا يعني زيادة مدَّة الرِّحلة بضعة أسابيع، ومعها زيادة تكاليف الشَّحن وشركاتِ التَّأمين، وما يتعلَّق بهذه السُّفن، وبالتَّالي زيادة أسعارِ تلك السِّلع التي تحملُهَا هذه السُّفن، خاصَّةً النفط والغاز، وهو ما سينعكسُ سلبًا على تصنيعِ وإنتاجِ السِّلعِ في العالم، وحتمًا على أسعارِهَا التي سيدفعُها في نهاية المطافِ المستهلكُونَ من شعوبِ أنحاء العالم.

أيضًا يمكننا تصوُّر كيف أنَّ هذه التَّهديدات لأمنِ المِلاحة البحريَّة في البحر الأحمر ستُلهم الجماعاتِ الانفصاليَّة والإرهابيَّة على المستوى الدوليِّ؛ لكي تستفيدَ في تهديد المعابر البحريَّة، والتَّأثير سلبًا على سياسات العالم، وأمن الدُّول البحريِّ والاقتصاديِّ.

هكذا وببساطةٍ ندركُ قلقَ السعوديَّة على مصلحة العالم أجمع، وعلى القضيَّة الفلسطينيَّة من تصاعدِ الأحداثِ وتفاقمها في منطقة البحر الأحمر، فإذا ما تمَّ فتحُ سيناء لاستضافةِ اللاجئين الفلسطينيِّين، فهذا انتهاءُ الحلِّ بوجودِ دولةٍ فلسطينيَّةٍ مستقلَّةٍ، إضافةَ إلى أنَّ العالم يتنفسُ اقتصاديًّا من خلال العصبِ البحريِّ المتمثِّل في البحر الأحمر، كما سمَّاهُ اليونانيُّون منذ ثلاثة آلاف سنةٍ؛ وهنا تكمنُ أهميَّته "الجيوسياسيَّة"، والتي ليست وليدةَ اليومِ، أو الأحداث الجارية، بل على مرِّ التَّاريخ؛ لما يتمتَّع به قديمًا وحديثًا من موقع إستراتيجيٍّ جعله ضمن إستراتيجيَّات عددٍ من الدُّول الإقليميَّة وغير الإقليميَّة؛ كي تضع أنفها فيه، ونرى ذلك جليًّا من خلال إنشاء القواعدِ العسكريَّة لدولٍ لا تُطلُّ عليه، لكنَّها توجد على سواحلِ بعضِ الدُّول الإفريقيَّة المطلَّة على البحر الأحمر، مستغلَّة قلَّة مواردها، وحجَّة تأمين المِلاحة الدوليَّة لسفنِهَا من القرصنةِ والإرهابِ البحريِّ.

أخيرًا.. البحر الأحمر عصب العالم التجاري بلا شك، وأهميته "الجيوسياسية" للدول المطلة عليه، تكمن في السلم بأنْ تجني فوائدها التجارية، وفي الحرب تكون بسلطتها لحفظ أمنها، ومن هنا تأتي أهمية اجتماع الدول المطلة على البحر الأحمر على كلمة واحدة تحقق بها أمنها ومسؤوليتها العالمية.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store