توَّجت وزارةُ العدل عامها المنصرم بمجموعةٍ من الخدمات الإلكترونيَّة، والمشروعات، والقرارات التي كان لها الأثرُ النوعيُّ على مستوى أداء العمليَّة القانونيَّة، الذي انعكس بدوره على رفع مستوى رضا المستفيدين، وأسهم في توفير الوقت والجهد عليهم، كما حصدت الوزارةُ المركزَ الأوَّل في قياس التحوُّل الرقميِّ الحكوميِّ العاشر، بحسب هيئة الحكومة الرقميَّة. وشملت الخدمات العدليَّة، جميع القطاعات سواء القضاء، التَّوثيق، التَّنفيذ، المصالحة، والمحاماة، وغيرها من القطاعات العدليَّة.
على الرغم من عدم وجود إجماع -حتَّى الآن- حول كيفيَّة قيام الذَّكاء الاصطناعيِّ بتشكيل المهن القانونيَّة، فإنَّنا نعلم أنَّ الذَّكاء الاصطناعيَّ مهيَّأٌ لتغيير كل جانب من جوانب حياتنا تقريبًا، وسوف تخلق التقنيات الجديدة التي يستخدمها مجموعة من القضايا القانونيَّة غير المسبوقة، بما في ذلك الملكيَّة والمسؤوليَّة والخصوصيَّة.
ولتخيُّل ما هو قادم، فقط نضعُ في اعتبارنا عندما تبدأ السيَّارات ذاتيَّة القيادة في الوقوع في الحوادث، مَن الذي يُعتبر مسؤولًا: صاحب السيَّارة، المصنع، مصمِّم البرمجيَّات؟ إنَّ هذه القضايا معقَّدة ستتفاقم قريبًا؛ بسبب التكنولوجيا غير المسبوقة، هذا يُعطي للمحامين الثَّابتين إنذارًا، ويُوحي بالحاجة إلى المزيد من المحامين، ولكن ليس فقط أي نوع من المحامين. نحن بحاجة إلى أولئك القادرين على فهم مجتمع سريع التطوُّر.
الذَّكاء الاصطناعيُّ يمكن أنْ يفيدَ مهنة القانون، لكنَّه يحذِّر من كيفيَّة تنفيذه، حتى أفضل وسائل الذَّكاء الاصطناعيِّ تحتاج إلى أنْ يتم تعليمها، ممَّا يعني أنَّه يمكن أنْ يكون موضوعيًّا، مثل الأشخاص الذين يقومون بتدريسه، حيث أصبح من الواضح بشكل متزايد أنَّ كليَّات الأنظمة والشَّريعة لدينا يجب أنْ تُعِدَّ محاميَ الغد لاستخدام التكنولوجيا الجديدة، لكن حتَّى هذا لا يكفي، نحتاجُ أيضًا إلى مستشار وقضاة ممارسين اليوم لفهم الذَّكاء الاصطناعيِّ، وكل ما يعد به لخدمة وحماية الإنسان بشكل أفضل، شركات المحاماة التي تقتصد في الإنفاق على الذَّكاء الصناعيِّ؛ خوفًا من زيادة النفقات عليها تضيع فرصة عظيمة للتفوُّق على منافسيها، فكلما بدأوا أسرع، كان لهم ميزة إستراتيجيَّة تمنحهم التفوُّق لحلِّ أيِّ نزاع بشكل أسرع.
إلَّا أنَّنا نتوقَّع أنْ يكون تأثير الذَّكاء الاصطناعيِّ إيجابيًّا؛ لأنَّه سوف يوفِّر إلى المحامين والقضاة المعلومات بشكل سريع وفعَّال، ومع ذلك بغض النظر عن مدى تطور التكنولوجيا، ولن تكون أبدًا بديلًاً عن الحُكم، واتِّخاذ القرار الذي لا يمكن إلَّا للبشر اتِّخاذه، لن يحل الذَّكاءُ الاصطناعيُّ محلَّ الحاجةِ إلى التَّفكير النَّقدي، ما زلنا بحاجة إلى إعداد الطلاب للتَّفكير مثل المحامين، ولا أعتقدُ أنَّ هذا سيتغيَّر أبدًا.
هناك العديد من الأسباب التي تؤيد أنَّ الذَّكاء الاصطناعيَّ سيكون له دورٌ فعَّالٌ في النِّظام القضائيِّ من أهمها، أنَّ النِّظام القضائيَّ الحاليَ يسيطر عليه -بشكل غير واضح- المساعدُون، والباحثُون القانونيُّون؛ لأنَّهم مَن يقومُون بالبحث والاستكشاف، وأحيانًا تفسير المعلومات، وهذا من شأنه زيادة سعر أتعاب المحاماة، كما يساعد الذَّكاء الصناعيُّ في سرعة البحث، هذا ما يساعد في تخفيف الأعباء على النِّظام القضائيِّ.
ومن ناحية أُخْرَى يمكن توكيل بعض المهام الإضافيَّة للذَّكاء الاصطناعيِّ، مثل مقابلة العملاء، وجمع المعلومات بشكل صحيح منهم، فيرى علماءُ النَّفس أنَّ الإنسان قد يكون صادقًا، وأكثر حريَّةً عندما يتحدَّث إلى آلةٍ؛ لأنَّ الآلات لن تحكم عليه، لكن بالطَّبع لنْ يحلَّ الذَّكاءُ الصناعيُّ محلَّ كلِّ وسائل جمع المعلومات. فأحيانًا تكون المناقشات أكثرَ فاعليَّة، ومع ذلك يساعد الذَّكاء الصناعيُّ في ذلك خلال عمليَّات الاستجواب والمناقشات في تقصِّي ردود أفعال الشُّهود والمجرِمين في كلِّ مرَّة يتحدَّثون فيها، ومقارنة ذلك دائمًا للوصول إلى أفضل نتيجة.
في النهاية، فإنَّ مستقبل العمل، والتخصُّصات يتطلَّب انفتاحًا على التكنولوجيا، واستعدادًا للتعلم المستمر وتطوير المهارات، من خلال الاستفادة من إمكانات الذَّكاء الاصطناعيِّ وتوجيهها نحو الخير العام، يمكن للأجيال القادمة أنْ تلعبَ دورًا حاسمًا في بناء مستقبل مزدهر للبشريَّة، ومن هذا المنطلق فإنَّ الذَّكاء الاصطناعيَّ هو واقعٌ نعيشه، ومستقبلًا لا مفرَّ منه، وعلى الجميع التعايش مع هذا الواقع، والاستفادة منه بما يحقق أعلى فائدة تعود على الفرد والمجتمع. محامٍ ومستشار قانوني


