Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محسن علي السهيمي

«الشؤون الإسلامية» والشريك الوعظي

A A
المؤكَّدُ أنَّ الوزاراتِ والمؤسساتِ الحكوميَّةَ تتكاملُ فيمَا بينهَا، ويُفيدُ كلٌّ منهَا من الآخرِ، وإذَا ما كانتْ لإحداهَا تجربةٌ ناجحةٌ فإنَّ غيرَهَا من الجهاتِ الأُخْرى ستقتنصُهَا وتطبِّقُهَا بشكلٍ أجملَ وأحدثَ ممَّا هُو عندَ الجهةِ التي صدَّرتِ التجربةَ. في الآونةِ الأخيرةِ أظهرتْ وزارةُ الثقافةِ ممثَّلةً في (هيئةِ الأدبِ والنشرِ والترجمةِ) حزمةً من التجاربِ التي قِيل عنهَا إنَّها من مُخرجاتِ (التفكيرِ خارج الصندوقِ)، وإنَّها حقَّقتْ نجاحاتٍ لافتةً منذُ خطواتِهَا الأُولى، وإنَّها أغنتْ وزارةَ الثقافةِ عن الممارساتِ التي كانتْ تنتهجُهَا، والتي لمْ تعدْ تتساوقُ معَ متغيِّراتِ العصرِ وحركةِ الزَّمنِ.. لعلَّنا نقفُ على مشهدَينِ يجسِّدَانِ ما أرمِي إليهِ في هذَا النثارِ:

المشهدُ الأوَّلُ- أنديةٌ أدبيَّةٌ كانتْ قاعاتُهَا تزدحمُ بالحضورِ من الأدباءِ والمثقَّفِينَ الذين يحضرُونَ فعاليَّاتِ الأنديةِ الأدبيَّةِ وأمسياتِهَا، غيرَ أنَّه في الآونةِ الأخيرةِ تدنَّى مستوَى الحضورِ لتلكَ الفعاليَّاتِ لأسبابٍ يطولُ شرحُهَا، وهو ما حدَا بوزارةِ الثقافةِ لفتحِ المجالِ واسعًا أمامَ ما يُسمَّى بـ(الشريكِ الأدبيِّ) الذي يقتضِي إخراج الفعاليَّاتِ والأمسياتِ الأدبيَّةِ والثقافيَّةِ من مقرَّاتِ الأنديةِ الأدبيَّةِ وإقامتهَا في (مكانٍ آخرَ)، والذي هُو عبارةٌ عن مقهَى يقدِّمُ أنواعَ القهوةِ والمشروباتِ لمرتاديهِ، ما يعنِي أنَّ الأدبَ حُملَ إلى المُتلقِّي حيثُ يكونُ، وهو ما يعنِي أيضًا -بحسبِ ما يُقال- أنَّ الإقبالَ على الأدبِ في تلكَ المقاهِي لافتٌ للنَّظرِ، وهو ما يعنِي أيضًا -بناءً على المعطياتِ السابقةِ- بأنَّ هذهِ المقاهِيَ وسيلةٌ ناجعةٌ لإيقاعِ المتلقِّي في شراكِ الأدبِ وحبائلِهِ بطرائقَ حديثةٍ ومحبَّبةٍ.

المشهدُ الأخيرُ- جوامعُ ومساجدُ كانتْ وإلى وقتٍ قريبٍ تمتلئُ جنباتُهَا بالحضورِ الذين يأتُونَ للاستماعِ إلى محاضرةٍ وعظيَّةٍ، غيرَ أنَّه في الآونةِ الأخيرةِ لم يعدْ الحضورُ يتجاوزُ -في محاضراتٍ كثيرةٍ- أصابعَ اليدَينِ، وهو ما يعنِي أنَّ على وزارةِ الشؤونِ الإسلاميَّةِ أنْ تبحثَ عن بدائلَ لجذبِ الحضورِ وإفادتِهم. نحنُ إذنْ أمامَ مشهدَينِ متشابهَينِ إلى درجةٍ بعيدةٍ، ورأينَا كيفَ أنَّ المشهدَ الأوَّلَ فكَّر في بدائلَ جديدةٍ للأساليبِ التي كانَ ينتهجهَا، أمَّا في المشهدِ الثَّاني فإنَّ المشهدَ ما يزالُ على وضعِهِ السَّابقِ، ولمْ يفكِّرْ خارجَ الصندوقِ.

لعلَّ الصورةَ قد اتضحتْ، وعلى هذا فلعلَّ وزارةَ الشؤون الإسلامية تنحو منحى وزارة الثقافة فتعمد لإخراج بعض محاضراتها من الجوامع والمساجد إلى أماكن أخرى يرتادها الناس، وذلكَ في حلةٍ جديدةٍ وبطرائق حديثةٍ وأكثر قَبولا، وتقتنصها كما اقتنصت وزارة الثقافة المقاهي وسمتها (الشريكَ الأدبي)، وربما يحسنُ بوزارةِ الشؤونِ الإسلاميَّةِ أن ْتُسمِّي تلكَ الأماكنِ (الشَّريكَ الوعظيَّ)؛ كونُ غايتهَا الوعظُ، وتلتزمُ لهذهِ الأماكنِ بما تلتزمُ بهِ هيئةُ الأدبِ والنشرِ والترجمةِ.

أطرح هذا الرأي، من منطلق أنَّ مرتادِي هذه الأماكن العامة المتوخاة، كما هم في حاجة لتلقي الأدب، فهم كذلك في حاجة لتلقي الوعظ، وكما أنَّهم يطربون للكلمة الشاعرة المرهفة، فهم أيضًا يهفون ويستطيبون الكلمة الطيبة الصادقة. وعليهِ، فكما أنَّ وزارة الثقافة حرصت على الذهاب للمتلقِّي أيًّا كان موقعه بهدف إفادته، فإنَّ وزارة الشؤون الإسلامية جديرة بالذهاب لمَن يهمها أمرهم وتقديم رسالتها (الصافية الصادقة).

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store