Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
حليمة مظفر

الأمن الإعلامي.. لمواجهة الحرب العالمية الثالثة

A A
(Rescue 911) من البرامجِ التلفزيونيَّةِ الأمريكيَّةِ الشهيرةِ، أُنتجَ عام 1989م؛ بهدفِ تقديمِ سلسلةٍ من الدِّرامَا الوثائقيَّةِ الموثَّقةِ بتسجيلاتٍ صوتيَّةٍ وصورٍ لحوادثَ وجرائمَ وسرقاتٍ تحدثُ في أمريكا، مشوِّقٌ وهدفهُ رفعُ الوعيِ الأمنيِّ في المجتمعِ الأمريكيِّ بنشرِ ثقافةِ الطوارئِ لرقم (911)، والتَّعامل معَ الحوادثِ والجرائمِ، وهو ضمنُ مفهومِ «الإعلامِ الأمنيِّ» الذي اهتمَّت بهِ الكثيرُ من الدولِ على المستوَى المباشرِ، وغير المباشرِ؛ فما تنتجهُ «هوليود» سينمائيًّا من أفلامٍ بوليسيَّةٍ، صُنعتْ للمتعةِ والتَّرفيهِ، لكنَّها تتضمَّنُ معالجةً دراميَّةً -تُخاطبُ اللاوعي- بهدفِ تعزيزِ الأمنِ القوميِّ للولاياتِ المتَّحدةِ الأمريكيَّةِ وتمجيدِهِ في مشاعرِ الفردِ والجماعةِ.

و(الإعلامُ الأمنيُّ) من المفاهيمِ الحديثةِ في تصنيفاتِ الإعلامِ المتخصِّصِ، يقدِّم إعلامًا توعويًّا ثقافيًّا أمنيًّا شاملًا -مباشرًا وغيرَ مباشرٍ- يرتقِي بالوعي لتعزيزِ أمنِ الفردِ والمجتمعِ، والحقيقةُ أنَّ وزارةَ الداخليَّةِ السعوديَّةِ مشكورةً لهَا جهودٌ إعلاميَّةٌ مُثمرةٌ وعظيمةٌ في رسائلِهَا لتعزيزِ المسؤوليَّةِ الأمنيَّةِ لدى المواطنِ والمقيمِ، حتَّى باتَ مشاركًا من خلالِ (كلُّنا أمنٌ)، فيمَا وسم #تمَّ_القبضُ يبلغ مستوًى عاليًا من التَّفاعلِ الإيجابيِّ والمتابعةِ لدى المواطنِينَ والمقيمِينَ، عزَّزت خلالَهُ الثقةَ الأمنيَّةَ الشاملةَ والشفافيةَ في المملكةِ، وأكتفِي بمَا أوجزَهُ؛ المتحدِّثُ الأمنيُّ بوزارةِ الداخليَّةِ العقيد طلال الشلهوب في كلمتِهِ النيِّرةِ خلالَ المنتدَى الإعلاميِّ السعوديِّ الذي انعقدَ منذُ أسبوعَين بأنَّ «الإعلامَ الأمنيَّ أسهمَ في تعزيزِ الأمنِ، واحتواءِ الأزماتِ، وبناءِ الثقةِ والشفافيةِ مع المجتمعِ بنشرِ المعلوماتِ المهمَّةِ وتحذيرِهِ من المخاطرِ المحتملةِ مبكِّرًا، وتقديمِ التحديثاتِ الرسميَّةِ لمكافحةِ الشَّائعاتِ، وتصحيحِ المعلوماتِ الخاطئةِ».

ومسألةُ «مكافحةِ الشَّائعاتِ، وتصحيحِ المعلوماتِ الخاطئةِ» من أبرزِ مهامِّ الإعلامِ الأمنيِّ، لكنِّي سأُلقِي بالضوءِ على مفهومٍ آخرَ لا يقلُّ أهميَّةً، يتمثَّلُ في (الأمنِ الإعلاميِّ) الذي ينهضُ في مضمونِهِ على تحقيقِ الأمنِ المعلوماتيِّ إعلاميًّا، والوعي بمسؤوليَّةِ مصادرِ المعلوماتِ في مختلفِ المجالاتِ المتنوِّعةِ سواء المجتمعيَّة، أو السياسيَّة، أو الدينيَّة، أو الصحيَّة، أو الاقتصاديَّة، أو الثقافيَّة، أو الفكريَّة، وسواءٌ كانَ تناقلهَا عبرَ قنواتِ الإعلامِ التقليديَّةِ كالصُّحفِ والإذاعةِ والتلفزيون، أو الإعلامِ الجديدِ، وعلى رأسهِ مواقعُ التَّواصلِ الاجتماعيِّ، التي باتتْ في عصرِنَا من أدواتِ افتعالِ الأزماتِ المستخدمةِ من قِبلِ الدولِ المارقةِ، أو التنظيماتِ الإرهابيَّةِ؛ لأهدافٍ تخريبيَّةٍ في المجتمعاتِ الآمنةِ، الأمرُ الذي جعلَهَا لا تقلُّ خطورةً عن القنبلةِ النوويَّةِ! وباتتْ أهمَّ التحدِّياتِ الإعلاميَّةِ.

من هنا؛ تكمنُ أهميَّةُ تحقيقِ (الأمنِ الإعلاميِّ) خاصَّةً وأنَّنا نعيشُ عصرَ انفجارِ المعلوماتِ وتدفُّقهَا بظلِّ عولمةٍ جعلت العالمَ قريةً صغيرةً، يتبادلُ ساكنوهَا من جغرافيَّاتٍ مختلفةٍ، وحدودٍ غيرِ مرئيَّةٍ، المعلوماتِ بسرعةِ الضوءِ عبر مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ المتعدِّدةِ في أساليبِهَا والمتنافسةِ فيمَا بينهَا لاستقطابِ أكبر عددٍ من ملايين البشرِ المستخدمِينَ لهَا، كَي تُصدرهُم صُنَّاع محتوى دونَ أهميَّةٍ لخلفياتِهم أو مصداقيَّتِهم! وهذَا بدورهِ مكَّن الأفرادَ -مهمَا كانتْ مرجعيَّاتِهم- ليكونُوا مساهمِين في تشكيلِ المعلوماتِ وتصديرِهَا؛ ممَّا يشكِّلُ تحدِّيًا مزعجًا لـ»وعي» النَّاسِ في المجتمعاتِ، فـ»الوعي» سبيلُ التَّحصينِ والتَّمييزِ بين الغثِّ والسَّمينِ، والصَّائبِ والخاطئِ، والصَّادقِ والمحتالِ، والوعي هنَا ليسَ عقليًّا فقط، بل أيضًا الوعي العاطفيُّ الذي يمنعُ التَّلاعبَ بمشاعرِ الفردِ عبرَ معلوماتٍ مضلَّلةٍ، تحوِّله إلى أداةٍ سهلةِ التحريكِ، مُغيبةِ العقلِ، وما شاهدنَاه خلالَ فوضى الثَّوراتِ العربيَّةِ الدَّاميةِ في بعضِ الدُّولِ عام 2011م بعدَ التَّلاعبِ بوعي شعوبِهَا وعواطفِهم عبرَ «الفيسبوك»، يؤكِّدُ ما أرمِي إليهِ، وسوريَا اليوم، وبعدَ 13 سنةً أكبرُ مثالٍ لذلكَ.

إنَّ طبيعةَ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ بمَا فيهَا من فاعليةٍ وسرعةٍ وكسبٍ ماديٍّ، جعلتهَا مصدرًا بديلًا لدى ملايين البشرِ في أنحاءِ العالمِ؛ لاكتسابِ معلوماتِهم الفكريَّةِ والدينيَّةِ والطبيَّةِ والنفسيَّةِ والصحيَّةِ والسياسيَّةِ والاقتصاديَّةِ، والتي -مع الأسفِ الشديدِ- يساهمُ فيهَا العالِمُ والجاهلُ، المتخصِّصُ وغيرُ المتخصِّصِ، الصَّالحُ والطَّالحُ، صحيحُ العقلِ والمجنونُ، ولا ننسَى خونةَ الأوطانِ والمرتزقةَ ممَّن يتمُّ شراؤهُم، ليكونُوا أدواتِ تخريبٍ وفسادٍ في مجتمعاتِهم، وليسَ بالضروريِّ أنْ تكونَ السياسةُ اللعبة المباشرة على ساحةِ هذهِ المواقعِ؛ فقدْ يكونُ استهدافُ الشعوبِ عبر مجالاتٍ أُخْرى لتحقيقِ أهدافٍ سياسيَّةٍ غير مباشرةٍ، مثلًا استهداف صحةِ الشعوبِ، بنشرِ المعلوماتِ الطبيَّةِ الخاطئةِ، والإشاعاتِ الصحيَّةِ المضلِّلةِ، والتَّرويجِ لأدويةٍ لها آثارٌ خطيرةٌ، أو من خلالِ التَّضليلِ الاقتصاديِّ المحبطِ، أو التَّلاعبِ بالصحَّةِ النفسيَّةِ عبرَ بثِّ ثقافةِ الاكتئابِ والجرائمِ لدَى الشَّبابِ، وغيرِ ذلكَ من معلوماتٍ مضلِّلةٍ للوعي والأخلاقِ والقيمِ يعزِّزهَا خوارزميَّاتُ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ لمحاصرةِ الفردِ في أفكارِهِ وطريقةِ تفكيرِهِ فلَا يستطيعُ الهربَ منهَا ليلَ نهار.

لهذا تكمن أهمية (الأمن الإعلامي)، بتحقيقه عبر خطة متكاملة ترفع من جودة إدارة الأزمات، وتستوعب المسؤولية الإعلامية المهنية، مع الارتقاء بكفاءة الإعلاميين في المؤسسات الإعلامية، وفق أخلاقيات وأسس مهنية تقدم الخدمات الإخبارية والمعلومات عن مصادر موثوقة عالية المصداقية، جنباً إلى جنبٍ مع الارتقاء بوعي الأفراد المعرفي في المجتمعات وبأهمية تحقيق الأمن المعلوماتي في تناقلهم للأخبار والمعلومات، فوعي الشُّعوبِ هو السَّلاحُ الأمثلُ في مواجهةِ التَّضليلِ الإعلاميِّ، بينمَا هشاشةُ الوعي وسطحيَّتهُ سببٌ كفيلٌ لتهديدِ أمنِ الفردِ ومجتمعِهِ.

أخيرًا، لابُدَّ من تذكُّرِ عبارةٍ كتبهَا «آينشتاين» عالمُ الفيزياءِ اليهودي الشَّهير هي: «لَا أعلمُ بمَا سنقاتلُ بهِ في الحربِ العالميَّةِ الثَّالثةِ، ولكنِّي أضمنُ لكَ أنَّ الحربَ العالميَّةَ الرَّابعةَ سنقاتلُ فيهَا باستخدامِ العصَا والحجارةِ»، هذِهِ العبارةُ تجعلنَا نتساءلُ اليومَ: هلْ الكمُّ الهائلُ من فوضَى المعلوماتِ المضلِّلةِ، الصحيةِ والاقتصاديَّةِ والفكريَّةِ والإشاعاتِ المثيرةِ للرُّعبِ والقلقِ والإحباطِ في النّاسِ وضخِّ هذا الكمِّ من المعلوماتِ المخالفةِ للمنطقِ وجعلِ الإنسانِ رهينًا للأوهامِ والمخاوفِ ليكونَ فريسةً سهلةً للموتِ عبرَ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ ومجاراةِ وسائلِ الإعلامِ التقليديَّةِ لها -مع الأسفِ- هي وسيلةُ الحربِ العالميَّةِ الثَّالثةِ لمحاربةِ الشعوبِ؟!

الإجابةُ بينَ أيديكِم، ومهمَا كانتْ فلابُدَّ من (الأمنِ الإعلاميِّ) وتحصينِ الوعي.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store