ويعمل المركز ضمن منظومة بيئية تشمل المراكز البيئية والمحميات الملكية وهيئات التطوير والمشاريع الكبرى على تعزيز جهود المملكة الإقليمية والعالمية في مجال الحفاظ على البيئة وصون مواردها وتعزيز استدامتها بما يتواكب مع رؤية المملكة 2030، ومبادرة السعودية الخضراء ومستهدفات الاستراتيجية الوطنية للبيئة.
ولإلقاء الضوء على جهود المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية ومبادراته ومشاريعه المتنوعة، لحماية النظم البيئية والحفاظ على التنوع الأحيائي والتوازن البيئي، كان لنا هذا اللقاء مع الرئيس التنفيذي للمركز الدكتور محمد علي بن بهاء الدين قربان الذي سلط الضوء من خلاله على أهداف المركز المنطلقة من رؤيته الريادية ورسالته النوعية، متناولاً أبرز جهوده ومشاريعه ومبادراته التي تصب في مسارات التنمية المستدامة والتي تنطلق من دوره كمظلة وطنية لقطاع الحياة الفطرية بالمملكة، يعمل بالتكامل مع القطاعات الأخرى لاستعادة الأنظمة البيئية وإثراء التنوع الأحيائي وصولاً إلى تحقيق التوازن البيئي المستدام.. فإلى نص الحوار:
* ثلاث مبادرات ينفذها المركز تشكل ركائز رئيسية في "السعودية الخضراء"
*مسوحات استكشافية شاملة في البر والبحر لبناء خط أساس لإدارة ثرواتنا البيئية إدارة مستدامة
*رحلة العقد كشفت النقاب عن التنوع البيئي الفريد في مياه البحر الأحمر
*ثنائية “التنمية والحماية" نقطة تحول في مسارات برامج ومشاريع المركز
*حريصون على تعظيم الأثر الاجتماعي والاقتصادي للتنمية البيئية وتحقيق جودة الحياة
*برامج الإكثار مهدت الطريق لإطلاق أكثر من 7000 كائن مهدد بالانقراض
*خريطة للنظم البيئية الأيكولوجية لتعزيز القاعدة المعرفية عن الحياة الفطرية
*استراتيجية وطنية للاستخدام المستدام للموائل البحرية والساحلية حفاظاً على التنوع الأحيائي البحري والحد من تضرر النظم البيئية
استراتيجيات تلامس التنمية المستدامة
*هل تلقون الضوء على أهداف المركز المنطلقة من رؤيته، والرسالة يحملها على عاتقه؟
- المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية يعمل على تنفيذ خطط للتصدي للأخطار المحدقة بالحياة الفطرية البرية والبحرية، انطلاقاً من رؤية نسعى من خلالها الى الوصول الى "حياة فطرية وتنوع أحيائي ونظم بيئية برية وبحرية مزدهرة ومستدامة"، حاملاً رسالة تتضمن: "الحفاظ على الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي والنظم البيئية وتنميتها من خلال تعزيز المشاركة المجتمعية في برامج شاملة وفاعلة لتحقيق الاستدامة البيئية وتعظيم الفوائد الاجتماعية والاقتصادية".
وقد وضع المركز عدداً من الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، تتركز في حماية وتنمية الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي في البيئات البرية والبحرية والساحلية وتحقيق الاستدامة فيها، وإنشاء وإدارة المناطق المحمية ومراكز إكثار الأنواع الفطرية المهددة بالانقراض وإعادة توطينها في بيئاتها الطبيعية، إضافة الى بناء قاعدة معرفية عن الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي بالمملكة من خلال المسوحات الميدانية، والدراسات المتخصصة وبناء قواعد البيانات، كما نعمل ضمن أهدافنا على تعزيز الوعي المجتمعي في مجال الحياة الفطرية، وتعزيز التنوع الاقتصادي من خلال المساهمة في تطوير السياحة البيئية المستدامة، لذا نحرص على تشجيع البحث والابتكار والاستفادة من التحول الرقمي لخدمة أهداف المركز من خلال تطوير البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات في مجال المحافظة على الحياة الفطرية وتنميتها بالتعاون مع الجامعات ومراكز الأبحاث المحلية والعالمية.
يوم (مبادرة السعودية الخضراء)
*اعتمد مجلس الوزراء الموقر السابع والعشرين من مارس كل عام يوماً رسمياً لمبادرة السعودية الخضراء بما يجسد حرص المملكة على قيادة الجهود العالمية لبناء مستقبل أخضر مستدام.. فما أبرز مبادرات المركز المنطلقة من مبادرة السعودية الخضراء؟
- ينفذ المركز ثلاث مبادرات رئيسة تنطلق من "السعودية الخضراء"، تتمثل في:
التوسع والإدارة المتكاملة للمناطق المحمية، إكثار وإعادة توطين الكائنات المهددة بالانقراض، وتقييم البيئات البحرية والساحلية وإعادة تأهيل المتضرر منها وإدارتها بشكل مستدام.
قفزات تنموية في مبادرات المركز البيئية
*الى أين وصلتم في تنفيذ هذه المبادرات؟
- تأتي مبادرة التوسع في المناطق المحمية لحماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بما يثري التنوع الأحيائي وتحقيق الريادة العالمية في تمثيل النظم البيئية وحماية المناطق الهامة بيئياً، والحفاظ على الأنواع الفطرية وتعزيز الأمن الغذائي، إضافة الى تنشيط السياحة البيئية عبر توفير الفرص السياحية في المناطق المحمية أمام 150 مليون سائح مستهدف وفق رؤية المملكة 2030.
وحققت المملكة الريادة على مستوى العالم بإعلان هذه المبادرة حيث سبق تم الإعلان عنها ووضع استراتيجيتها قبل إعلان اتفاقية التنوع الأحيائي CBD التابعة للأمم المتحدة.
وقد حقق المركز قفزات ملحوظة في هذه المبادرة حيث ارتفعت نسبة المناطق المحمية البحرية عام 2023م الى حوالي 6,48% بعد أن كانت 3,76% من المساحة البحرية للمملكة عام م2017، كما ارتفعت المحميات البرية الى 18,1% بعد أن كانت 4,56% من المساحة البرية للمملكة خلال نفس الفترة.
ونذكر في هذا السياق تسجيل محمية جزر فرسان في "برنامج الإنسان والمحيط الحيوي" التابع لليونسكو، وإدراج محمية عروق بني معارض في لائحة التراث العالمي الطبيعي لليونسكو في سبتمبر الماضي.
أما مبادرة إكثار وإعادة توطين الكائنات المهددة بالانقراض في بيئاتها الطبيعية، فقد تم إطلاق أكثر من 7000 كائن مهدد بالانقراض من خلال برامج إكثار شملت: المها العربي، ظبي الريم، ظبي الإدمي، طائر النعام، طائر الحبارى اضافة الى برامج تتضمن إكثار الذئب العربي، الوشق، الضبع المخطط، الفهد الصياد، والأرنب البري.
وبخصوص مبادرة تقييم البيئات البحرية والساحلية وإعادة تأهيل المتضرر منها فقد حرصنا على إدارتها إدارة مستدامة بوضع استراتيجية وطنية للاستخدام المستدام للموائل البحرية والساحلية بهدف الحفاظ على التنوع الأحيائي البحري والحد من تضرر النظم البيئية وحفظ الموائل الساحلية مع تحديد التهديدات التي تؤثر على البيئة البحرية من خلال نتائج المسوحات الميدانية، اضافة الى تدريب الكوادر الوطنية لترسيخ مفاهيم ومهارات المحافظة على البيئة البحرية.
وفي هذا السياق أطلق المركز رحلة العقد التي تعتبر أول رحلة ومسح شامل لمناطق وبيئات لم يسبق دراستها في البحر الأحمر بدأت من منطقة عفيفي جنوباً حتى خليج العقبة شمالاً واستمرت 19 أسبوعاً بمشاركة 126 باحثاً محلياً وعالمياً.
اكتشافات رحلة العقد
*ما أبرز الاكتشافات التي توصل إليها الباحثون خلال رحلة العقد؟
- كشفت هذه الرحلة النقاب عن الكثير من كنوز البحر الأحمر وأسراره حيث رصدت الرحلة لأول مرة عدداً من الثقوب الزرقاء، وأنواعاً من المرجان لم تُعرف من قبل ، كما كشفت عن تكاثر حيتان البرايد قرب الثقوب الزرقاء، وقدمت أدلة عن وجود القرش الأبيض العظيم، واكتشاف المداخن النشطة التي تعود لآلاف السنين، كما رصدت كتلاً حيوية ضخمة من أسماك Lantern Fish على أعماق سحيقة، وخصائص فريدة لقيعان البحر تتضمن جبلاً بركانياً في مياه الجنوب يزيد عن 200 متر من قاع البحر بعمق 400 متر، اضافة إلى اكتشاف أنواع جديدة من الكائنات البحرية النادرة.
ولعلنا نوضح هنا أن المركز وضمن جهود تقييم حالة الموائل البحرية على طول الساحل السعودي في البحر الأحمر، قد نفذ عدداً من المسوحات الميدانية لأكثر من 600 موقع للشعب المرجانية، و200 موقع للحشائش البحرية و 100 موقع لأشجار المانجروف مع رصد المخاطر المرتبطة بالأنشطة البشرية.
ثنائية "التنمية والحماية"
*هل تلقون الضوء على المشاريع والبرامج التي تنفذونها في سبيل تحقيق ثنائية: "التنمية والحماية" التي تتبنونها في المركز؟
- نفذ المركز العديد من المشاريع والبرامج لتحقيق رؤيته وأهدافه التي ذكرناها، ضمن مفهوم: التنمية والحماية، برز من بينها برنامج استكشاف الكهوف والدحول للتعرف على الحيوانات الفطرية التي كانت تعيش فيها من خلال الوقوف على الدلائل والشواهد التي تدل عليها، منها مومياوات الفهد الصياد التي تم العثور عليها في شمال المملكة.
كما نفذ برنامج "تقييم أضرار تزايد قرود البابون وتحديد المشكلات وأفضل الحلول"، معلناً بدء المعالجات المتكاملة والمستدامة للمناطق المتضررة من زيادة أعدادها ومعالجة مشكلاتها في مدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة حيث كان موسم حج 2023 م خالياً من هذه المشكلة، وليواصل المركز أعمال المعالجة في كافة البؤر المتضررة في جنوب غرب المملكة.
وانطلاقًا من حرص المركز على العمل وفق أسس علمية ولبناء قاعدة معرفية ثرية عن الحياة الفطرية في المملكة ينفذ المركز مشاريع مسح استكشافية لرصد جميع أنواع النظم البيئية والأنواع البرية والبحرية لبناء خط أساس معرفي يمكننا الانطلاق منه في برامج المحافظة والتنمية الإدارة المستدامة، كما ستشكل مرجعًا معتمدًا لمراكز الأبحاث والعلماء في المملكة وخارجها.
وفي هذا الإطار قطعنا شوطًا كبيرًا في البيئات البحرية وأصبح لدينا تصور واضح عن النظم البيئية والأنواع البحرية في المياه السعودية، وكشفت رحلة العقد لاستكشاف البحر الأحمر مؤخرًا عن الكثير من المعلومات والبيانات التي تعلن لأول مرة.
كما أنجز المركز خريطة للنظم البيئية الأيكولوجية للمناطق المهمة بيئياً وعمل على انجاز السجل الوطني للمناطق المحمية، وأقام العديد من الورش التخصصية
وفي ظل حرص المركز على تحقيق القيمة الاقتصادية للتنمية البيئية وتعظيم أثرها في تحقيق جودة الحياة، عمل على تطوير السياحة البيئية المستدامة فأسهم في إعداد الخطة الاستراتيجية لسياحة المحميات لتقليل التأثيرات المتوقعة من أنشطة السياحة على الخصائص الطبيعية والثقافية للمناطق المحمية، كما وضع الضوابط العامة للسياحة المستدامة مع تحديث الاشتراطات والضوابط الخاصة بالاستثمار في المناطق المحمية، وإعداد الاستراتيجية الوطنية للسياحة البيئية، إضافة الى جهود المركز في تنمية المجتمعات المحلية القريبة من المحميات الطبيعية من خلال توظيف الكوادر الوطنية والمساهمة في الارتقاء بأنماطها المعيشية.
تنظيم الصيد.. تجربة رائدة
*قدمتم تجربة فريدة في تنظيم الصيد.. هل تحدثوننا عن هذه التجربة وأسباب نجاحها؟
-عمل المركز على تقديم تجربة مميزة للصيد من خلال تطوير نظام فريد له، مرتكزاً على أحدث الدراسات وأفضل التجارب والممارسات العالمية مع أتمتة كاملة للتنظيم ليسهم في الحد من مخالفات الصيد، ولتحظى تجربة المملكة بجائزة الريادة في مكافحة الصيد والأخذ والإتجار غير القانوني في جنوب غرب آسيا التي تمنحها اتفاقية المحافظة على الأنواع المهاجرة (CMS) ما يشكل اعترافاً دولياً بريادة المملكة في تنظيم الصيد واعتبار تجربتها نموذجاً معيارياً فريداً في الاقليم.
إضافة الى مساهمة المركز في تعزيز فرص استثمار القطاع الخاص عبر تنظيم محميات الصيد الخاصة بما يساهم في الحفاظ على تراث الصيد واستدامته.
استراتيجية البحث والابتكار
*وضعتم تشجيع البحث والابتكار ضمن أهدافكم الاستراتيجية لتنمية الحياة الفطرية، فماذا أنجزتم في هذا الجانب؟
- نتعاون مع عدد من الجامعات ومراكز الأبحاث المحلية والعالمية لتشجيع البحث والابتكار في مجال المحافظة على الحياة الفطرية، حيث أنجز المركز العديد من البحوث، وأطلق مبادرة ترميز Coding للمناطق المحمية، إضافة الى الخرائط التفاعلية والحلول الجيومكانية، وخرائط منصة "إحكام"، ووظف المركز أحدث التقنيات في أعمال الادارات المعنية منها أعمال التصوير الجوي باستخدام طائرات دون طيار وغيرها من التقنيات المتطورة.
*هل من كلمة أخيرة؟
- يشرفني أن أرفع خالص الشكر والتقدير إلى مقام خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين يحفظهم الله على دعمهم ورعايتهم لجميع الجهود التي تعزز التنمية المستدامة. كما أشكر معالي وزير البيئة والمياه والزراعة على جهوده المتواصلة للارتقاء بالقطاع البيئي. والشكر موصول لجميع الجهات الحكومية والشركاء المتعاونين مع المركز ولجميع منسوبي المركز على تفانيهم في أعمالهم من أجل نجاح برامج المركز وتميز مخرجاته.
وسنبقى متطلعين دائماً الى المستقبل بتفاؤل وثقة، مؤمنين بقدراتنا في تحقيق المزيد من التميز والريادة.


