Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.ساري بن محمد الزهراني

الفكاهة في ميزان العقاد (2)

A A
برأي يقوم على شيء من الوجهة، والقول المبرَّر..

قال العقاد: ربما كان اسم "الضحك" مغريًا بالاستخفاف، منافيًا للجد في بواعثه ومعانيه.

ولكن البحث عن أسباب الضحك جد كأصدق الجد الذي يعرِّفنا بنفوسنا، كما يعرِّفنا بها أعظم العظائم وأفدح المحزنات؛ بل ربما كان الأمر "المحزن" يسير التعليل؛ لأنَّنا لا نحار فيه، ولا يخفى علينا أنَّه يرجع إلى حب السلامة، وكراهة الضرر والإصابة، وربما كان لنا -نحن الآدميين- شركاء في الشعور بالمحزنات بين الحيوانات العُليا وبعض الحيوانات الدُّنيا؛ لأنَّ الحزن عندها بمثابة رد الفعل الجسداني لكل ألم وكل مكروه.

أمَّا الضحك فليس من سهولة التفسير بهذه المنزلة، ولا سيَّما الضحك الذي يتشعَّب ويتفرَّع وتتباعد مصادره من النفس أو تتقارب -مع التفرقة بينها في الأسماء- حتَّى يلتبس موضوع منها بموضوع، وعنوان بعنوان.

هكذا، قد تجتمع بعض آراء عباس محمد العقاد؛ نظرًا لأنَّ العقاد له فلسفة قديمة لتعليل الضحك.

ففي كتابه "خلاصة اليومية"، نجده يقول: "أحب أنْ أفهم ما أحسه، وأنْ أحس ما أفهمه، وإنِّني جريت على ذلك في البحث عن أسباب الضحك منذ بدأت الكتابة".

في مقابل ذلك يرى أنَّ الاختلاف ما بين السخرية والاستهزاء، والدعابة والفكاهة؛ إنَّما هو اختلاف بين الضاحكين في الحقيقة، وليس اختلافًا في أنواع الضحك.

ولذلك، نلحظ أنَّ العقاد في "جحا الضاحك المضحك" يعرض للنكتة المصرية التي يراها تزيد عن النكتة الأوروبية بطابع خاص، وهو الجمع ما بين التنفيس عن الحرج، وبين وصف الحاكمين بالغفلة إذا كانوا أجانب، ومن ذلك أنَّ واليًا من الأتراك كان يصلِّي في أخريات أيامه، ويدعو الله بالاستغفار؛ معترفًا بأنَّه قتل أربعة وينتحب، فسأله زميل له مندهشًا: ألم تقتل غير أربعة يا أغا؟ فرد: لا يا صاحبي.. أربعة من الترك، أمَّا الفلاحون فلا عدد لهم فيما أذكر.

ولم يفت العقاد أنْ يعقد فصلًا كاملًا عن مضحكات الرقابة في قصة سارة، وهذا ما يحدو بالحديث عن موهبة الفكاهة -كما يراها العقاد- حينما علَّل هذه الموهبة من خلال إحدى يومياته الصحفية، وخلاصة تعليله يرجع إلى أنَّ الذكاء والمزاج ينموان مع مفارقات الحياة، حيث إنَّ النكتة في جوهرها التفاتة إلى المفارقات.

ويسوق في هذا الصدد رأي نيتشة، في أنَّ الضحك من نكتة واحدة هو العنوان الواضح على تقارب الضاحكين في المزاج والتفكير.

ويربط العقاد باكتمال العبقرية، أنْ يكون لها جانب فكاهي، وأنَّ شارلي شابلن عبقري عالمي في فن الضحك؛ لأنَّ نكتته تقوم على الحركة، والحركة يفهمها كل إنسان، ولهذا فهو يقول: "فليس بالغريب أنْ يكون كثيرٌ من الفلاسفة مضحكين".

ويروي العقاد نوادر لطيفة صادقة عن "الشيخ أحمد طاهيه الخاص"، فقد طلب منه أنْ يدوِّن في ورقة جميع المكالمات التليفونية؛ لكيلا ينسى إبلاغها إيَّاه عند عودته من الخارج، وفي يوم حضر العقاد، فأبلغه الطاهي بأنَّ أربعة تكلموا أثناء غيابه عن الدار، وذهب الشيح أحمد ليحضر الورقة فإذا فيها:

- أحد تلكم!

- أحد تلكم!

- أحد تلكم!

- أحد تلكم!

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store