بعض العناصر الكيميائية تفرض شخصيتها على حياتنا بطرق غير متوقعة.. بطارية سيارتي تتمتع بخبرة طويلة في الخدمة، وقد وصلت إلى مرحلة ما بعد التقاعد، واكتشفت أن معظم بطاريات السيارات تحتوي على الرصاص كأحد مكوناتها الأساسية. وكنت أود أن أتفادي التعامل مع هذا المعدن بسبب سمعته البيئية الخبيثة.. الرصاص هو من أفضل الأمثلة على وصف «السم الهاري»، حيث يعمل بطرقٍ شريرة.. وسبحان الله أنه يشبه عمل المنافقين، فهو يتخفى ويتقمَّص صفات عنصر «الكالسيوم» الضروري للحياة.. ولا تظهر أضراره الهائلة عند دخوله للجسم، ولكنها تدمر خلايا المخ والعظام تدريجياً.. وبالرغم من جوانبه الداكنة، فهو يتمتع بخصائص رائعة.
يتميز الرصاص بالوفرة، والتكلفة المنخفضة، وسهولة استخراجه نسبياً من حالته الخامة، وسهولة تشكيله، وسهولة مزجه مع العناصر الأخرى، وكثافته العالية.. ولذا، كان يستخدم منذ القدم في صناعة الأسلحة، ومواد البناء، ومستلزمات السباكة.. واستخدم أيضاً في صناعة بعض من أروع الطلاء الأسود شديد السواد، والأبيض شديد البياض، ولذا، فمنذ أيام الحضارة الفرعونية كان يستخدم في صناعة كحل العين الأسود من جانب، ومستحضرات تفتيح البشرة من جانب آخر، وكانا من مصادر التسمم عبر التاريخ.. والله أعلم كم من الجميلات، أو أشباه الجميلات مرضن أو توفاهن الله بسبب سوء استخدامه.. وهناك المزيد، فكانت بعض مستخلصات الرصاص تتميز بالحلاوة المركزة، فاستخدمت في تحلية العديد من المشروبات الكحولية الواسعة الانتشار.. وكان من ركائز تطور حضارات بأكملها، ومنها على سبيل المثال، الحضارة الرومانية، التي حكمت أوروبا وبعض مناطق الشرق لفترة دامت أكثر من ألف سنة.. وتفوقت في العديد من التقنيات ومنها الفنون العسكرية، وبناء الطرق، والسباكة.. وفي مجال إدارة المياه بداخل المدن، أنشئت الأنابيب ذات التصميم الرائع لتحمل المياه من وإلى المنازل والدوائر الحكومية بيسرٍ ونظافة.. المشكلة أن معظمها كانت مصنوعة من الرصاص.. وكل هذا أدى إلى نتائج كارثية في تدهور القدرات العقلانية، والمرض، والوفاة.
وفي التاريخ الحديث نسبياً، استخدم الرصاص استخداما بشعاً بيئياً في مطلع القرن العشرين لأكثر من ثمانين سنة.. فالموضوع باختصار هو أن محركات الاحتراق الداخلي كانت تعاني في العديد من الأحيان من «التصفيق»، أي الاحتراق السابق لأوانه في دورة المحركات المكبسية.. وفي عام 1921 اخترع العالم الأمريكي «ميجدلي» مادة رخيصة جداً مكوَّنة من الرصاص والمكونات الهيدروكربونية لتحسين أداء المحرك، برفع قدرة الاحتراق الداخلي للبنزين.. وأطلق عليها اسم «إيثّل».. نجح نجاحاً باهراً، وكوَّن ثروة هائلة، ولكن الوقود المدعم بالرصاص تسبَّب في تلوث البيئة، وتدهور القدرات العقلانية، وقتل ملايين البشر بسبب نشر الرصاص في جميع أرجاء العالم.. وللعلم فقد توفي المخترع بالتسمم من الرصاص.
* أمنيـة:
عشت لسنوات في بيروت الجميلة إلى بداية الحرب الأهلية عام 1975، ولن أنسى المعارك الضارية وكمية الذخائر المستخدمة من المتحاربين ليلاً ونهاراً.. والآن، أتذكر هذا يومياً عندما أتخيَّل عدد الطلقات التي تقتل وتجرح الأبرياء في غزة.. فمن المستحيلات أن نتخيل تلك الكمية التي تقتل وتجرح أكثر من ألف وخمسمائة من الأبرياء كل يوم.. وكأننا نعيش في زمن الرصاص.. أتمنى أن تنتهي هذه القسوة البشعة ضد أهل فلسطين والإنسانية بأكملها بمشيئة الله، وهو من وراء القصد.


