Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

داكــــــا

A A
@Tfadaak

عنوان المقال من الكلمات الحجازية التاريخية الجميلة، ومعناها «ذلك الشيء». ومن جمالها أنها مرنة جداً، وتُستخدم عندما لا نستطيع أو لا نود الدخول في التفاصيل.. وموضوعنا اليوم عن أحد أهم المشروعات السرية في تاريخ الحرب الحديثة. وكان من أهم الأسرار الحربية خلال الحرب العالمية الثانية، بل وكان في قمة الأسلحة التي فازت بها الولايات المتحدة وبريطانيا على ألمانيا، وإيطاليا، واليابان..

ولكن قبل الدخول في التفاصيل، أود أن أصف لكم طريقة تحضير إحدى أكلاتي المفضلة، علماً بأنها في صُلب موضوعنا. حضرت بيضة صحية بدون أي زيت أو سمن في فرن «المايكرويف» بيسرٍ وسهولة، وبدون استخدام أدوات طهي.. كسرت البيضة ووضعت مكوناتها في وعاءٍ صغير، ثم وضعتها بداخل الفرن وشغَّلته لمدة عشرين ثانية، وبعدها بعشر ثوانٍ كررت العملية، وبعدها بفترة عشر ثوانٍ كررتها للمرة الثالثة. والنتيجة كانت بيضة مطبوخة لذيذة جداً.. رائعة، ونظيفة بدون دراما ولا كركبة. ومصطلح «مايكرويف» يعني الموجات القصيرة جداً ذات التردد العالي جداً.

ونعود الآن لعالم التسليح ففي مطلع الحرب عام 1939، كانت جميع الدول المتحاربة تملك تقنية «الرادار» الذي يتيح الكشف عن الطائرات والسفن باستخدام موجات الراديو.. ولكن جميع تلك الأجهزة كانت بدائية.. كانت تعمل بإصدار موجات طويلة جداً، وترددات منخفضة، وكانت تفتقر للدقة في الكشف عن الأجسام سواء كانت طائرات، أو سفن، أو حتى التضاريس الجغرافية.. وكانت هناك تحديات كثيرة أهمها أنها كانت بحجم أبراج الاتصالات، أو المباني المتوسطة الارتفاعات.. وجاءت عبقرية عالمين إنجليزيين في اختراع جهاز يعمل بإصدار موجات قصيرة جداً، وبترددات عالية جداً، لتسمح بالكشف عن الأجسام والتضاريس بدقة أعلى.. ولإضافة درجة من الإبداع، تم تقليص حجم الجهاز ليصبح بحجم الحبحبة الكبيرة.. وتم ذلك بسرية قصوى، فلم يعلم عن المشروع إلا مجموعة من العلماء أغلبهم من الإنجليز، لأن الاختراع وُلِد في جامعة «برمنجهام» على يد المخترعين «راندال» و»بوت».. وتم تطوير الجهاز في معهد «ماساتشوستس للتقنية»MIT تحت حراسة مشددة..

وبدأت الطائرات الأمريكية والإنجليزية باستخدام الجهاز الذي كان يحمل أعلى درجات السرية، فلم يجد له اسم، وبالتالي أصبح «داكا»، ثم أطلقت عليه أسماء غريبة مثل «إتش تو إس»، علماً بأن هذا اسم غاز «كبريتيد الهيدروجين»، وهو من أكبر مصادر رائحة العفونة والنتانة في العالم.. تحوَّلت دقة التصويب الجوي، سواء كانت ضد الغواصات الألمانية؛ التي كانت تصطاد السفن في المحيط الأطلسي بقسوة رهيبة، وضد الأهداف الإستراتيجية في المدن الألمانية، وتحسَّنت دقة الملاحة وظروف الرؤية السيئة.. وتطوَّر الجهاز على مر التاريخ، فأصبح المكون الرئيس لأجهزة الرادار بفوائدها المختلفة في السلم والحرب..

ولكن موضوعنا لا ينتهي هنا.. فقد اكتشف أحد العلماء بالصدفة أن جهاز الرادار صاحب الموجة القصيرة جداً «يرعش» جزيئات الماء بطرق عنيفة جداً.. ومن هنا جاء تطبيق فرن «المايكرويف» الرائع، الذي يطبخ الغذاء بإصدار كميات هائلة من الطاقة، لترج الماء بأشكاله وألوانه في الأغذية المختلفة.. وقد غير مطابخ بلايين البشر في معظم بقاع العالم.

* أمنيـــــة:

تقنيات الحروب تنتج العديد من المنافع غير المتوقعة، ومنها التطبيق المذكور أعلاه، الذي تحوَّل من رادار إلى فرن.. ولكن تأكد أن الحرب على المدنيين في غزة لن تنتج أي تطبيقات تقنية لمنفعة البشرية، فقتل المدنيين وتدمير منازلهم ومدارسهم، ومستشفياتهم، وحدائقهم لا يمكن أن يُولِّد أي إيجابيات للبشرية.. أتمنى أن يحاسب كل من وراء هذا الدمار، وأن يرحم الله موتاهم، ويشفي جرحاهم، وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store