يقولُ اللهُ -سبحانَه وتعالَى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، ولتقومَ هذهِ العبادةُ، وتتمَّ كمَا أرادَ اللهُ -تعالَى- فقدْ وضعَ لهَا دِينًا، لها طرائقُ تتمُّ العبادةُ من خلالِهَا، وضمنَ هذَا الدِّينِ بطرائقِهِ فِي كتبِهِ التِي أرسلَ بهَا رسلَهُ -عليهِم السَّلامُ- وسمَّى هذَا الدِّينَ (الإسلامَ)، فلَا دينَ غيرهُ منذُ خلقَ اللهُ الجِنَّ والإِنسَ، قالَ تعالَى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ)، وقالَ تعالَى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وكانَ كلُّ رسولٍ يبلِّغُ أُمَّتهَ بهذَا الدِّينِ الحنيفِ، حتَّى كُلِّفَ الرَّسولُ محمدٌ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- بتبليغِ هذَا الدِّينِ علَى أُمَّتهِ، الذِي قالَ اللهُ تعالَى عنهُ إنَّه خاتمُ الأنبياءِ: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍۢ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ)، وفي التَّشريعِ المحمَّديِّ الذِي تضمَّنهُ القرآنُ الكريمُ اكتملَ هذَا الدِّينُ، وأُتمِّتْ تعاليمُهُ وبيانُهُ وتفصيلُهُ، وَلمْ يفرِّطْ فيهِ مِن شيءٍ.. قالَ تعالَى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وقَالَ تعالَى: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، وقالَ تعالَى: (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا)، وقالَ تعالَى: (وَنزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ).
ولكن الذي حدث، بعد هذا الكمال والتمام، والتفصيل والتبيان الذي دون في 600 صفحة، هي كتاب الله تعالى، وبعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدأ التدرج في البعد عن هذا الكتاب، وهجرت تعاليمه من البعض، فنشأت علوم أخْرى تدعي أنها تفصل وتبين وتكمل وتتمم هذا الكتاب، فتضخم الدين بهذه العلوم حتى بلغت صفحاته مئات الآلاف من كلمات البشر، وتحوَّلتْ تلكَ العلومُ المستحدَثةُ إلى حواجزَ يقعُ خلفَهَا كتابُ اللهِ تعالَى، وتحوَّلتْ تلكَ العلومُ إلى منابعَ للغلوِّ فِي الدِّينِ والصِّراعاتِ التِي تستظلُّ بظلِّهِ؛ لخدمةِ مصالحِهَا السياسيَّةِ والاجتماعيَّةِ، وكانَ مِن نتيجةِ هذَا التضخُّم إفرازُ الخزعبلاتِ الشركيَّةِ، والخرافاتِ المبتدعةِ، والتَّعاليمِ البشريَّةِ التِي طغتْ سلطتُهَا وهيمنتُهَا علَى تعاليمِ كتابِ اللهِ الذِي أصبحَ مهجورًا فِي ظلِّ تلكَ التَّعاليم البشريَّةِ.
ولمْ يكتفِ أولئكَ بتحريفِ واستبدالِ مضامينَ كتابِ اللهِ، بلْ جعلُوا رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- مصدرًا لذلكَ، فكذَبُوا عليهِ بذكرِ أحاديثَ تخالفُ مضامينَ كتابِ اللهِ، وَلا تتَّفقُ معهَا، بينمَا رسولُ اللهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- براءٌ منهَا. فرسولُ اللهِ لمْ يكنْ ليخالفَ كتابَ اللهِ تعالَى، بلْ كانَ قُرآنًا يَمشِي علَى الأرضِ فِي سلوكِهِ وتعاملِهِ، فهُو الذِي قالَ عَن نفسِهِ: (إِنَّمَا بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارَمَ الأَخْلَاقِ)، فهُو القدوةُ والنبراسُ فيهمَا، وحتمًا سيزدادُ البُعدُ عَن كتابِ اللهِ، ويزدادُ تبعًا لذلكَ الانحرافُ والخزعبلاتُ والمكذوباتُ والخرافاتُ إذَا لمْ يُلتفتْ لذلكَ مِن قِبلِ عقلاءِ وقادةِ الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ.. واللهُ مِن وراءِ القصدِ.


