Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

افتـــــــــــراء

A A
استخدام القوة، أو التهديد باستخدامها له أصوله الأخلاقية، ومعظمها صعبة التعريف. ولكن نستطيع أن نُعرِّف الممارسات البعيدة عن الأخلاق والأصول؛ مهما كانت الملة، والخلفية، والتربية. وهناك قصص للافتراء الجوي الجديرة بالذكر. المأساة كانت بتاريخ 11 فبراير 1973 وأتذكر تفاصيلها وكأنها كانت صباح اليوم بسبب أحد ضحاياها.. «ماما سلوى»، شخصية إعلامية مصرية فريدة. كانت نجمة عملاقة من نجوم برامج الأطفال في التلفزيون المصري في الستينيات الميلادية. وحيث إنني كنت طالباً صغيراً في مصر في تلك الفترة، فكانت الأستاذة «سلوي حجازي» من أهم المنابر الإعلامية في حياتي، كما كانت لملايين الأطفال.. كانت أختنا الكبيرة، الحكيمة المثقفة التي تتواصل معنا بلغتنا، فتقدم الجديد المفيد بطريقة جميلة. وفي التاريخ المذكور أعلاه كانت ضمن 104 من ركاب رحلة الخطوط الجوية الليبية الاعتيادية (114) من بنغازي إلى القاهرة على متن طائرة بوينج 727 نفاثة؛ بقيادة طيار فرنسي ومساعده الليبي. أقلعت في الساعة العاشرة في موعدها، ولكن بسبب سوء الأحوال الجوية بالقرب من القاهرة؛ واجهتها مشكلة كبيرة تمثلت في عاملين: أولاً هبَّت الرياح الشديدة من الغرب، فدفعت بالطائرة في الأجواء العليا إلى الشرق بطريقة لم يتوقعها الطاقم. وثانياً: صاحبت تلك الرياح زوبعة سطحية صحراوية أدت إلى شبه انعدام في الرؤية. أدت تلك الظروف إلى انحراف مسار الطائرة نحو صحراء سيناء، التي كانت محتلة آنذاك من القوات الإسرائيلية. وأرسلت قوات الكيان طائرتي فانتوم «إف 4» للاعتراض. وبالرغم من الجو الصحو، ووضوح طراز وهوية الطائرة المدنية الليبية، قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية بإطلاق النار من مدافعها على الطائرة المدنية فأسقطتها، وقتلت 108 من إجمالي الركاب والطاقم.. ولم ينجُ إلا خمسة بجروح. وبدأت الحجج فوراً من الجانب الإسرائيلي، بالرغم من أن الطقس كان صحواً في منطقة الكارثة، وبالرغم من أن الهجوم كان بالمدافع التي تتطلب الرؤية الواضحة. ولم تنل الكارثة إلا التغطيات الإعلامية المتواضعة عالمياً، والاستنكار من هنا وهناك بكلمات وتصريحات.. قتلوا أختنا الأستاذة سلوى وأكثر من مائة إنسان في إحدى أبشع الممارسات الرسمية للافتراء.

طبعا هناك حوادث ووقائع افتراء كثيرة، وسأذكر إحداها للمقارنة.. ففي 1 سبتمبر 1983 كانت طائرة الخطوط الجوية الكورية تقوم برحلتها رقم 007 من «أنكوريدج» في ألاسكا إلى العاصمة الكورية «سيئول»، وعلى متنها 269 إنساناً، وبسبب خطأ ملاحي دخلت البوينج 747 العملاقة المجال الجوي السوفيتي ليلاً فوق خليج «سخالين». وأرسلت القوات الجوية السوفييتية طائرات اعتراضية، وادعت أنها أنذرتها لأنها اشتبهت أن تكون طائرة تجسس، وعندما لم تستجب أطلقت عليها صواريخ فدمَّرتها، وتسبَّبت في قتل جميع من على متنها.. وانقلبت الدنيا ضد الاتحاد السوفييتي بعد هذه الكارثة. ومن التبعات العجيبة لهذه المأساة، أنها أطلقت العنان لاستخدام تقنية الأقمار الصناعية الأمريكية للاستعمالات المدنية، تفادياً للأخطاء الملاحية.. وللعلم كانت مكرّسة للملاحة العسكرية باسم النجم الشمالي «نورث ستار»، فأصبحت ما نعرف اليوم بمنظومة «الجي بي إس».

* أمنيــــــــة:

جميع كوارث الطيران مفجعة وحزينة، ولكن حوادث الافتراءات التي تولد الغضب بداخلنا تستحق وقفات تأمل.. ولا نستغرب افتراء قوات الكيان في قتل عشرات الآلاف من الأبرياء، فنرى الأمثلة الحية يومياً في غزة، فمنذ بدء الحرب يُقتل ما يفوق عدد قتلى الطائرة الليبية كل يوم.. أتمنى أن يُسجِّل التاريخ هذه الممارسات في ذاكرة العالم.. تخيَّل أن ذكرى كل قتيل وجريح لن تختفي على مر التاريخ، مهما زيّنت الاتفاقيات المستقبلية بالوعود، والتعويضات، والكلمات الوجيهة.. والله من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store