تزامنَ وقتُ دراستِي للدكتوراةِ فِي بريطانيَا معَ وجودِ الدكتورِ حامد خوجة لدراسةِ الدكتوراةِ أيضًا، فكانَ يحضِّرُ فِي جامعةِ شفيلد، وهِي قريبةٌ مِن جامعةِ نوتنجهام، التي أدرسُ فيهَا، وقدْ سبقَ ذلكَ حصولهُ علَى درجةِ البكالوريس مِن جامعةِ مانشيستر فِي مجالِ الكيمياءِ الإكلينيكيَّةِ، كمَا حصلَ علَى شهاداتٍ متعددةٍ لدراسةِ اللغةِ الإنجليزيَّةِ مِن كمبردج، لذلكَ هُو مِن المتميِّزِينَ جدًّا في اللُّغة الإنجليزيَّةِ، فكنتُ أرَى فيهِ الشَّابَّ السعوديَّ المتميِّزَ فِي تخصُّصهِ وعلمِهِ، بالإضافةِ إلى أدبهِ وأخلاقهِ وتعاملهِ، فتمكُّنهُ مِن اللُّغةِ الإنجليزيَّةِ حتَّى الإبحارِ فِي أعماقِهَا فِي فترةِ وجودهِ كطالبٍ في بريطانيَا جعلهُ يهتمُّ بدعوةِ غيرِ المسلمِينَ إلَى الإسلامِ، ومناقشةِ بعضِ معتنقِي الدِّينِ المسيحيِّ وغيرِهِم للدخولِ فِي الإسلامِ، حيثُ كانَ مولعًا بحضورِ أيِّ نشاطٍ لهُ علاقةٌ بالدَّعوةِ إلى اللهِ والتَّعريفِ بالدِّينِ الإسلاميِّ.
وبعد عودته إلى الوطن، كان من رواد كلية الطب والعلوم الطبية في تخصص التقنية الطبية، وكانت جهوده ملموسة في تأسيس المختبرات الطبية في العديد من الجهات في وزارتي الصحة والتعليم العالي، بالاضافة إلى ما قام به من جهود في كلية الطب والمستشفى الجامعي لجامعة الملك عبدالعزيز، ونشاطه المتعدد والواسع في هذا المجال.
كانَ لهُ دورٌ كبيرٌ عندَ نشأةِ قسمِ التقنيةِ الطبيَّةِ فِي تمكينِ وتوظيفِ عددٍ مِن الخرِّيجِينَ السعوديِّينَ كمعيدِينَ وتهيئتهم لدراسةِ الدكتوراةِ والدراسةِ العمليَّةِ في جامعةِ ومستشفَى شيفلد، واليومَ هُم أساتذةٌ فِي كليةِ العلومِ الطبيَّةِ التطبيقيَّةِ، وقدْ أخبرنِي بعضُهم أنَّ الدكتورَ حامد -رحمَهُ اللهُ- كانَ يسعَى بنفسِهِ لكلِّ مَا هُو فِي صالحِ قسمِ التقنيةِ الطبيَّةِ مِن وظائفَ وتجهيزِ المعاملِ وإعدادِ مناهجَ تدريسيَّةٍ ممَّا يمكنُ أنْ يُطلقَ عليهِ رائدًا أوَّلًا فِي هذَا المجالِ، إلى جانبٍ آخرَ برزَ بهِ -رحمَهُ اللهُ- فِي قسمِهِ وكليتِهِ، وهُو جودتهُ فِي تدريسِ وتعليمِ الطُّلابِ والطَّالباتِ لموادِّ التقنيةِ الطبيَّة وانصرفَ إلى ذلكَ انصرافًا كليًّا إذْ يقضِي وقتًا طويلًا معهُم والحرصِ علَى الساعاتِ المكتبيَّةِ أو فِي المعملِ ليحظُوا بمزيدٍ مِن الشَّرحِ والإجابةِ عَن أسئلتِهِم.
وقدْ اشتركَ معي فِي الإشرافِ علَى طالبِ ماجستيرٍ، وكانَ حضورُهُ معَ الطَّالبِ فِي الأوقاتِ الرسميَّةِ، وغيرِ الرسميَّةِ، فشعرتُ أنَّه جادٌّ فِي عطائِهِ ويهمُّهُ التَّعليم الصَّحيح، ولذلكَ هُو مِن القلائلِ المتَّصفِينَ بقوَّةِ فهمِهم لمادَّةِ التَّخصُّصِ وحُسنِ أدائِهِ لهَا، لذلكَ يُصنَّفُ أنَّهُ مِن الباذلِينَ الجهدَ حتَّى منتهاه في الحرصِ والإخلاصِ لمَن يعلِّمهُ، وتلكَ الصفةُ لعمرِي قلَّمَا تتوفَّر فِي غيرهِ حيثُ هِي صفةٌ تميَّزَ بهَا.
الدكتور حامد -رحمَهُ اللهُ تعالَى- كانَ جمَّ التَّواضعِ وقريبًا مِن قلوبِ الآخرِينَ، ولَا يهتمُّ بالأمورِ التِي يتنافسُ عليهَا غيرُه ممَّن يبحثُ عَن منصبٍ أو حظٍّ اجتماعيٍّ، وبالإضافةِ إلى ريادتهِ العلميَّةِ فِي التقنيةِ الطبيَّةِ، هُو ممَّن يُقتدَى بهِ فِي حبِّهِ لدينهِ، واهتمامهُ بالجانبِ التعبُّديِّ، ولقدْ أستوقفنِي وأنَا داخلٌ إلى مركزِ الملكِ فهد للبحوثِ الطبيَّةِ، وهُو خارجٌ مِن كليَّةِ العلومِ الطبيَّةِ التطبيقيَّةِ قبلَ وفاتِهِ بفترةٍ قصيرةٍ يستجدِي حضورَ ذكرياتِ جامعتَي شيفلد ونوتنغهام، ويطلبُ الدعوةَ لهُ مِن ضررِ داءِ السكَّريِّ الذِي ألمَّ بهِ وأتعبَهُ، ومعَ هذَا سبحانَ اللهِ لمْ يكنْ قدرُهَ أنْ يموتَ بسببِهِ، إنَّمَا بسببِ جلطةٍ قلبيَّةٍ تمكَّنتْ منهُ فِي صباحِ يومِ الجمعةِ، وهُو يومٌ مباركٌ، فكانتْ سببًا فِي أنْ يلقَى ربَّهُ، جعلَهُ اللهُ فِي مقعدِ صدقٍ عندَ مليكٍ مقتدرٍ، والعزاءُ لأهلهِ وذريتهُ وزملائِهِ وطلابِهِ وطالباتِهِ.


