Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. علي آل شرمة

قليلٌ من الحياء.. يا أدعياء الشهرة

A A
رغمَ أنَّ بلادَنَا تُسخِّرُ كلَّ إمكاناتِهَا هذهِ الأيَّام لاستقبالِ ضيوفِ الرَّحمنِ، وتبذلُ كلَّ تركيزِهَا لأجلِ خروجِ هذَا الموسمِ الروحانيِّ فِي أكملِ حلَّةٍ، إلَّا أنَّ ذلكَ لمْ يردع المتفلِّتِينَ مِن مشاهيرِ التواصلِ الاجتماعيِّ، ولمْ يمنعْهُم من ممارسةِ تجاوزاتِهم التِي تثيرُ غضبَ الرَّأي العامِّ، وتخلقُ المزيدَ من البلبلةِ فِي أوساطِ المجتمعِ، لا سيَّما ونحنُ نعيشُ أجواءً إيمانيَّةً، وتبذلُ قيادتُنَا الرَّشيدةُ -حفظَهَا اللهُ- جهودًا مُقدَّرةً؛ لأجلِ إنجاحِ موسمِ الحجِّ.

خلالَ الأيَّامِ الماضيةِ؛ فُوجِئ الكثيرُونَ بقيامِ أحدِ الشُّعراءِ علَى مواقعِ التواصلِ بالإساءةِ إلى دولةٍ شقيقةٍ، فيمَا بثَّ أحدُ الأشخاصِ فِي جدَّة منشورًا فيهِ استهانةٌ واستهزاءٌ بالدِّينِ الحنيفِ، كمَا قامَ اثنَانِ مِن المشاهيرِ ببثِّ محتوَى غيرِ أخلاقيٍّ علَى «سناب شات»، يحملُ إيحاءاتٍ جنسيَّةً، وهُو مَا دعَا الجهاتِ المختصَّةَ إلى سرعةِ التحرُّكِ وضبطِ المخالفِينَ، وإحالتِهِم إلى النيابةِ العامَّةِ.

وللحقيقةِ، فقدْ أسهبَ كثيرُونَ خلالَ الفترةِ الماضيةِ فِي الحديثِ عَن هذهِ الترهاتِ التِي ابتُلينَا بهَا، وتحدَّثُوا عَن المخاطرِ الناجمةِ عَن تجاوزاتِ الناشطِينَ علَى وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ؛ بسببِ تأثيرِهَا الكبيرِ علَى حياتِنَا، وقدرتِهَا الفائقةِ علَى الوصولِ لكافَّةِ شرائحِ المجتمعِ بدونِ استئذانٍ، ودورهَا فِي بثِّ العاداتِ الضَّارةِ والممارساتِ الفاسدةِ بمَا يهدِّدُ تماسكَ المجتمعِ.

إضافةً إلى ذلكَ، فإنَّ صغارَ السِّنِّ والشَّبابَ يتأثَّرُونَ بشدَّة بأولئكَ المشاهيرِ، وربَّما يتَّخذُونَهم قدواتٍ لهُم، ويبدأُونَ فِي تقليدِهِم، وهنَا تكمنُ المشكلةُ؛ لأنَّ الشبابَ والمراهقِينَ سريعُو التأثُّرِ بمَا يدورُ حولَهُم، ويجنحُونَ إلى محاكاتِهِ، لذلكَ كانَ المأمولُ من هؤلاءِ الذِينَ أصبحُوا فِي لمحِ البصرِ مِن المشاهيرِ المعروفِينَ؛ بسببِ تطوُّرِ وسائلِ التقنيةِ الحديثةِ، بعدَ أنْ أكرمَهم اللهُ بنعمةِ الشهرةِ، أنْ يصبحُوا أدواتِ تثقيفٍ وتوعيةٍ، وأنْ يستغلُّوا تأثيرَهُم المجتمعيَّ الكبيرَ بصورةٍ مثاليَّةٍ، يُرسِّخُونَ فيهَا المعانِي الحقيقيَّةَ للمواطنةِ الصالحةِ.

لكنْ للأسفِ، فإنَّ هؤلاء لا يفكِّرُونَ إلَّا فِي كيفيَّةِ مضاعفةِ أرباحِهم الخاصَّةِ، ومكاسبِهم الذَّاتيَّةِ، والوصولِ إلى الترندِ والهاشتاغِ، ولوْ كانَ ذلكَ علَى حسابِ القيمِ الحميدةِ، والأخلاقِ الفاضلةِ، وتدميرِ ثوابتِ المجتمعِ، لذلكَ لَا يتورَّعُونَ عَن مخالفةِ الأنظمةِ والقوانِين.

وخلالَ الفترةِ الماضيةِ، قامتِ الهيئةُ العامَّةُ لتنظيمِ الإعلامِ بالعديدِ مِن الإجراءاتِ الحازمةِ؛ لإيقافِ هذهِ الفوضَى، وفرضتْ بحقِّ المخالفِينَ عقوباتٍ رادعةً بعدَ تكرارِهِم مخالفة الأنظمةِ واللوائحِ، والاعتداءِ علَى قِيَمِ المجتمعِ وثوابتِهِ، التِي تعارفَ عليهَا الجميعُ، واستهتارِهم بثوابتِ المجتمعِ وقيمِهِ وأعرافِهِ.

كمَا تزايدتِ الدعواتُ مِن كافَّةِ فئاتِ المجتمعِ للتصدِّي لهذَا العبثِ الذِي يمارسهُ بعضُ الناشطِينَ، حيثُ نبَّهُوا لخطورةِ ذلكَ علَى بنيةِ الأُسرةِ والمجتمعِ، لا سيَّما أنَّه لا يكادُ يخلُو بيتٌ مِن وجودِ عدَّةِ أجهزةِ حاسبٍ آليٍّ يستخدمُهَا المراهقُونَ والشَّبابُ لدخولِ كافَّةِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ.

ولأنَّ النيابةَ العامَّةَ قامتْ فِي مرَّاتٍ كثيرةٍ بالتنبيهِ لخطورةِ هذهِ التجاوزاتِ، وسلَّطتِ الضوءَ عَلَى العقوباتِ القانونيَّةِ التِي تترتَّبُ عليهَا، فقدْ باتَ من الواضحِ أنَّ هؤلاء لنْ يُجدِي معَهم اللِّينُ؛ لأنَّهُم اعتادُوا على التَّغريدِ خارجَ السِّربِ، لذلكَ فإنَّ المطلوبَ معَهم هُو المزيدُ من الصرامةِ فِي تنفيذِ القوانِين، فالفقرةُ (1) من المادَّةِ السادسةِ لنظامِ مكافحةِ جرائمِ المعلوماتيَّةِ تنصُّ علَى أنَّه: (يُعاقبُ بالسِّجنِ مدَّةً لَا تقلُّ عَن سنةٍ وغرامةٍ لا تزيدُ علَى ثلاثةِ ملايِين ريالٍ، أوْ بإحدَى هاتَينِ العقوبتَينِ، كلُّ مَن يقومُ بإنتاجِ مَا مِن شأنِهِ المساسَ بالنظامِ العامِّ، أوْ القِيمِ الدِّينيَّةِ، أو الآدابِ العامَّةِ، أو حرمةِ الحياةِ الخاصَّةِ، أو إعدادِهِ، أوْ إرسالِهِ، أو تخزينِهِ عَن طريقِ الشبكةِ المعلوماتيَّةِ، أو أحدِ أجهزةِ الحاسبِ الآليِّ).

نحتاج بشدة لتغليظ العقوبات، ومضاعفة الجزاءات؛ لأن أمن المجتمع خط أحمر، لا يمكن السماح للمستهترين بتجاوزه، وأبناؤنا هم أغلى ما لدينا، ولن نقبل بأي حالٍ بتهديد مستقبلهم، وجرهم إلى هذا المستنقع، ولا يمكن أن نسمح لمن يريد تهديد القيم الفاضلة التي تربينا عليها، أو المساس بالعادات الحميدة التي عرف به مجتمعنا منذ الأزل، وصارت سمة ملازمة له، أن يقوم بذلك.

وأُكرِّرُ مرَّةً أُخْرَى أنَّ التشدُّدَ فِي إيقاعِ العقوباتِ المنصوصِ عليهَا قانونًا، فِي مواجهةِ المتطاولِينَ والمتجاوزِينَ، سيكونُ هُو المدخلُ الرئيسُ لصيانةِ المجتمعِ من الفتنةِ، ولجمِ أصحابِ الأهواءِ، وإسكاتِ مَن اعتادُوا افتعالَ الضجيجِ والصخبِ ورفعِ الصوتِ، سعيًا وراءَ الشهرةِ، ولوْ كانَ ذلكَ علَى حسابِ المجتمعِ وثوابتِهِ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store